لعبة الحياة

ليست الحياة لعبة، لكنها تُلعب بنا كما تُلعب الأحجار على رقعة الشطرنج، وهذا ما تكتشفه حين تقلب صفحات هذه الرواية. هنا، ينطلق بطلان من قريتين متجاورتين، أحدهما ابن فقر مدقع، والآخر وريث ثراء طاغ، لكن القدر يقلب الموازين ليُري أن الغنى الحقيقي ليس في ما تملك، بل في من تكون. بين تفاصيل الطفولة المشبعة بالحلم، وصراعات المراهقة التي تغري بالانحراف، وحوادث تغير مجرى الحياة، ترسم الكاتبة لوحة واقعية عن مجتمع عربي ممزق بين فخاخ الرفاهية الزائفة وطريق الكفاح الشاق. إنها رواية عن الاختيار، عن لحظة الاستيقاظ من غفوة العمر، وعن النجاح الذي يبدأ من نقطة الصفر. لن تتركك هذه الحكاية حتى تقلب آخر صفحة، لعلك تجد فيها مرآتك أو صورة من عرفته. لعبة الحياة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjUFU-EIL8EwdxRha99qj-Px8tZfthOovSqa8MfKUdlpYF8BPrUfGMbTrw7GjOnHNX9HV0RjTs_4E4AQbWqDdkw8578igtmh6gEVn__dynBKgJsn_39o7ps4UBCBQnjfYNxiSDKrEC-9UMYqOjxvAjEKtTAE_ATKx4oOlNP5gvRr7iPXK_5IwmLT4C9zxI/s320/589.jpg

ليست الحياة لعبة، لكنها تُلعب بنا كما تُلعب الأحجار على رقعة الشطرنج، وهذا ما تكتشفه حين تقلب صفحات هذه الرواية. هنا، ينطلق بطلان من قريتين متجاورتين، أحدهما ابن فقر مدقع، والآخر وريث ثراء طاغ، لكن القدر يقلب الموازين ليُري أن الغنى الحقيقي ليس في ما تملك، بل في من تكون. بين تفاصيل الطفولة المشبعة بالحلم، وصراعات المراهقة التي تغري بالانحراف، وحوادث تغير مجرى الحياة، ترسم الكاتبة لوحة واقعية عن مجتمع عربي ممزق بين فخاخ الرفاهية الزائفة وطريق الكفاح الشاق. إنها رواية عن الاختيار، عن لحظة الاستيقاظ من غفوة العمر، وعن النجاح الذي يبدأ من نقطة الصفر. لن تتركك هذه الحكاية حتى تقلب آخر صفحة، لعلك تجد فيها مرآتك أو صورة من عرفته.

لعبة الحياة رواية 589 116 أغسطس 2021 yes 201091985809 بلال شيشة كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg4rYpt5TiLq7R8KuTGxdk5kfWVIHynubmYuGPWcuNR6a6Qctfg7YP2Yfow6xe0ToPTX8gctqOF1VorNBLVP2z_G_oHTYQGUQFVA4ixmSCkcB6ByZibQrVqkl6FsTBYGf5jko-Gep2G5nmHdmvyTtIbVuJdE_fxtYnzemOxGHl6TRzWP4PSukrdpXnDRpw/s295/%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%B4%D9%8A%D8%B4%D8%A9.jpg

تنطلق الرواية من تأمل فلسفي في طبيعة الحياة، واصفة إياها بأنها مليئة بالأحزان والأفراح، غير أن البؤرة تتركز على شخصيتين متقابلتين منذ الصغر: "نبيل" الطفل الفقير الذي يخلق عالمه الخاص من قصاصات الجرائد ويدون أحلامه في دفاتره، و"مراد" ابن الأغنياء الذي يغرق في بحر من الإهمال الأبوي، وإن بدا للوهلة الأولى أنه الأكثر حظاً. غير أن التباين لا يتوقف عند حدود الطبقة، بل يمتد إلى البذرة التي زرعها كل منهما في داخله؛ فنبيل، برغم صعوبات العيش، يبني شخصيته على المثابرة والقراءة، ويحول فقره إلى حافز، بينما يتشرب مراد ثقافة الاستسهال ويتسرب من دروسه مقتنعاً بأن الحياة مجرد متعة. ومن هنا، تبدأ اللعبة بينهما، حيث تتصاعد الأحداث لتظهر كيف أن الظروف الخارجية ليست وحدها من تصنع المصير، بل الخيارات الصغيرة التي تتراكم كالجمر تحت الرماد.

ينتقل السرد ليتابع نبيل بعد انتقاله إلى المدينة ليكمل دراسته عند عمته الأرملة، التي وجدت فيه عزاءً لها بعد فقدان زوجها، وهنا تتجلى العلاقة المتبادلة بينهما؛ هو يجد الدعم الذي كان يفتقده، وهي تجد في رعايته هدفاً يبعث الحياة في أيامها. في المقابل، ينزلق مراد أكثر نحو الهاوية، متخذًا من صديق السوء طارق رفيقاً، ومن أصدقاء جدد مرشدين إلى دروب التدخين والكحول، في مشهد يعكس غياب الرقابة الأسرية التي انشغلت بجمع الثروات عن تنشئة الولد. وهنا، لا تكتفي الكاتبة برسم صورة الصراع بين الخير والشر، بل تتعمق في أسباب الانحدار، مبرزة كيف يصبح الفراغ العاطفي أرضاً خصبة تنبت فيها الآفات السلوكية، وكيف أن إغراءات المدن الكبرى قد تطمس بصيرة الشاب الذي لم يجد من يمسك بيده في زحام الحياة.

مع تقدم الزمن، يحصد نبيل ثمار اجتهاده، متفوقاً في دراسته، ومبدعاً في الشعر الذي يبرز موهبته أمام زملائه وأساتذته، بينما يصل مراد إلى قاع الهاوية بعد حادثة سير مأساوية تفقده القدرة على الحركة، فتصبح هذه اللحظة هي نقطة التحول الكبرى، حيث يستفيق من غفلته مدركاً أنه خسر كل شيء، بما في ذلك احترامه لذاته. وهنا، تولد من رحم الألم إرادة جديدة، إذ يقرر مراد العودة إلى الدراسة من جديد، مجابهةً بصعوباتها وصحبة رفاق السوء الذين يتخلون عنه، متحملاً آلام إعادة التأهيل الجسدي والنفسي، لكي يثبت لنفسه وللآخرين أن اللعبة لم تنتهِ بعد. هذا التحول، وإن بدا مفاجئاً، يأتي مدعوماً بتفاصيل معاناة حقيقية تجعل القارئ يصدق إمكانية الخلاص، حتى من أعمق الظلمات.

تتوج الرواية بلقاء يجمع البطلين في مكان العمل، إذ يصبح نبيل مديراً لمراد في مفارقة قدرية تعكس انقلاب الأدوار، فيتذكران طفولتهما القريبة لكن البعيدة روحيًا. لكن اللقاء لا يحمل نبرة انتصار، بل فضولاً معرفياً حول كيف غيّر كل منهما حياته، وسؤالاً عميقاً عن ماهية النجاح الحقيقي. في هذا الفضاء الحواري، تقدم الكاتبة تلخيصاً لفلسفتها في الحياة: إنها لعبة لا يربح فيها من يمتلك أكثر، بل من يعرف كيف يلعب بأخلاقه وإرادته. هكذا، تتحول الرواية من سردية عن البطلين إلى تأمل في مسؤولية التربية، وسنن القدر، وأهمية أن يبقى الإنسان واعياً بأن الحياة قد تمنحك فرصة ثانية، لكنها لا تمنحها مرتين لمن يغفل عنها.