من بين عيونك باتولد

تولد الروح من بين العيون، لا من أرحام الجسد. هكذا هي الكلمة الصادقة، تشرق من أعماق الشاعر كشمس لا تغيب، تبدد ظلام الوحدة وتستحيل نوراً يضيء دروب الحياة. في هذا الديوان، لا تبحث عن إيقاعٍ منتظمٍ صارم، بل عن نبضٍ إنسانيٍ متفجر، عن لغةٍ عاميةٍ تنطق بما تخشى الألسنة البليغة البوح به. هي اعترافاتٌ صادقة، ليست مدحاً ولا تملقاً، بل هي استباحةٌ لحرمة الروح، وشعرٌ يولد من رحم الألم، ينسج من آهات الوجدان قصائد لا صمت فيها. هذه ليست مجرد كلماتٍ مرصوصة، بل هي خيوطٌ من مشاعرٍ متناثرة، تتشابك لترسم لوحةً لحياةٍ عاشها الشاعر بكل ما فيها من عشقٍ وجنون، من حلمٍ مستحيل، ومن رغبةٍ في البحث عن ذاتٍ في مرايا الآخرين. إنها رحلةٌ إلى ما وراء الكلمات، حيث تكمن الحقيقة التي لا تخجل. من بين عيونك باتولد
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiwr_pxVh8C9PLa8cNwd6VJNEmxoxaUkFuACmNV1w2XoFs-LlnfSyhHy8vez-DVx5gXZzFbqSHlCFDZzmbHpJvSHGjdwa0V-gVp2y0Qfv4b49DRwBfaJI5DXLZ5J7boN14P60G6uVghwVRcW33HRiWc-axSFuC-2ARQH3TEZhTtlIivbHnTJUbmk7e6ZuI/s320/391.jpg

تولد الروح من بين العيون، لا من أرحام الجسد. هكذا هي الكلمة الصادقة، تشرق من أعماق الشاعر كشمس لا تغيب، تبدد ظلام الوحدة وتستحيل نوراً يضيء دروب الحياة. في هذا الديوان، لا تبحث عن إيقاعٍ منتظمٍ صارم، بل عن نبضٍ إنسانيٍ متفجر، عن لغةٍ عاميةٍ تنطق بما تخشى الألسنة البليغة البوح به. هي اعترافاتٌ صادقة، ليست مدحاً ولا تملقاً، بل هي استباحةٌ لحرمة الروح، وشعرٌ يولد من رحم الألم، ينسج من آهات الوجدان قصائد لا صمت فيها. هذه ليست مجرد كلماتٍ مرصوصة، بل هي خيوطٌ من مشاعرٍ متناثرة، تتشابك لترسم لوحةً لحياةٍ عاشها الشاعر بكل ما فيها من عشقٍ وجنون، من حلمٍ مستحيل، ومن رغبةٍ في البحث عن ذاتٍ في مرايا الآخرين. إنها رحلةٌ إلى ما وراء الكلمات، حيث تكمن الحقيقة التي لا تخجل.

من بين عيونك باتولد شعر عامية 391 80 يناير 2020 yes 201091985809 أحمد هارون كراويه كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg-V7IOOSQCMU_dXKn05yYXZb1URM2NtgeX_IydM2ro05QUTiYdSDDvNincF2sYlOxjE5rq02MHw4QvmwA_BfNTygBOUvX5UwIwhYkk-SOFCbibmP_qFAb5fB5WcyOH14rKvpngOi9Kx1rgOdEr-j4A1jFvNCaSGeK4Twejo-8YPRoy8kJwWiHZQaYRCRM/s295/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%87%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A%D9%87.jpg

أعينُ النساء مرايا، لكنها في ديوان "من بين عيونك باتولد" للشاعر أحمد هارون كراويه، تتحول إلى أرحامٍ ضوئية تمنح الوجود معناه الأول والآخر. يبدأ النص رحلته من عجز الشاعر عن صياغة المعجزات المادية؛ فلا هو يملك حلب نور الشمس في كؤوس، ولا بمقدوره صهر القمر ليصير مهراً أو زفةً من نور، لكنه يمتلك ما هو أثمن في ملكوته الشعري، وهو "الصدق" الذي يتدفق بنبض الروح. إن الشعر هنا ليس ترفاً لغوياً، بل هو محاولة بائسة وشجاعة في آنٍ واحد لترميم شتات الروح التي استباحت الكلماتُ العنيفة حرمة دمها، لتولد من جديد في حضن المحبوبة الذي يمثل الملاذ والبداية والنهاية. يستلهم كراويه في نصوصه روح المتصوفة الذين يرون في المحبوب تجلياً للكون بأسره، فيغدو "لغة السكات" و"همس العواطف" أبلغ من أي قصيدة مشغولة بالزخرف، حيث تصبح النظرة الواحدة قادرة على تفجير الطاقات وفتح الأبواب المغلقة أمام قلبٍ يصفه الشاعر بالجبان، لا لخوفه من الحب، بل لخوفه من عظمة التجربة التي تشبه الوقوف على حافة الوجود.

تمضي القصائد في تتبع أثر المشاعر المبعثرة، معتذرةً تارةً عن فرط الاهتمام، ومتسائلةً تارةً أخرى عن سر الغياب الذي يلف عيني الطرف الآخر. يشيد الشاعر مملكته الخاصة حيث هو "الحاكم والبواب"، يرفض أن تكون قصائده مجرد بضاعة للعرض أو طلباً لثمرات الإعجاب الافتراضية، بل هي رسائل موجهة لروح واحدة، إذا لم تقرأها، فقدت الكلمات جدواها وبقيت صرخات في وادٍ سحيق. تظهر الحيرة كخيط حريري يربط الأبيات، حيرة المحب الذي يرسم "خمسمائة سكة" ليتوه فيها عمداً، طالما أن كل الطرق التي لا تؤدي إليها هي طرقٌ لا تستحق السير. إنه يذكرنا بما قاله "جلال الدين الرومي" عن أن الوداع لا يقع إلا لمن يحب بعينيه، أما من يحب بروحه وقلبه فلا ثمة انفصال أبداً؛ لذا فإن ولادة الشاعر من بين عيون محبوبته هي فعل استمرار يومي، ونفيٌ قاطع لسحابة الصيف التي كانت تمثل حياته قبل هذا اللقاء، تلك الحياة التي يصفها بأنها كانت "جعجعة من غير طحين".

يتحول النداء في الديوان إلى دعوة صريحة لتحديد المصير، بين "نور أو نار"، مطالباً المحبوبة بأن تكون هي الدليل في غابة العواطف الموحشة. يرفض الشاعر أن يكون الحب انتحاراً أو سجناً أو مقصلة، بل يريده فجراً وليداً يزرع الأمل على الشطوط، ويستنهض القوة الكامنة في الضعف الإنساني. إن استخدام العامية المصرية هنا لم يكن مجرد خيار لغوي، بل كان ضرورة موسيقية لتقريب المسافة بين الوجع والورق، فكلمات مثل "اللقى" و"اللهفة" و"السكوت" تحمل في طياتها دفء الحارة المصرية وعمق التجربة الإنسانية البسيطة والمعقدة في آن. وفي كل سطر، يطل علينا وجه "شبان البدري" الذي أهداه الشاعر هذا العمل، وكأن القصائد هي تلك "الأمنية" التي تحققت أخيراً لتطير في فضاء الوجد، متجاوزةً حدود الغياب المادي لتستقر في خلود الكلمة.

تستحيل القصيدة في نهاية المطاف إلى صلاة بصرية، حيث يغدو الليل الذي يعاند الخطى مجرد ستار واهٍ، يمزقه "مليون نهار" يولد من نظرة واحدة. لا يكتفي كراويه برصد العاطفة، بل يغوص في سيكولوجية الانكسار والانتصار، محذراً من تحويل الحكايات الفاشلة إلى قيود تمنع تدفق الحياة في العروق. إن فلسفة الديوان تقوم على أن الحب هو "القرار" الذي لا رجعة فيه، وهو الشفاء من أوجاع العواطف والانهزامات غصباً عن عشرات الحكايا القديمة. هكذا يتركنا الشاعر أمام مرآة أنفسنا، متسائلين عن تلك العيون التي ولدنا منها، وعن تلك اللحظات التي صار فيها النبض هو الحقيقة الوحيدة في عالمٍ مليء بالزيف، تماماً كما يرى "نيتشه" أن الفن وجد لكي لا تقتلنا الحقيقة، وهنا وجد الشعر لكي لا يخنقنا الصمت وسوء الفهم. إنها تجربة كتابية تحتفي بالروح وهي تحلق في فضاء لا نهائي، معلنةً أن بداية الطريق ونهايته تسكن دائماً في حضن من نحب.