من قلبي سلامٌ

لم يعد في القلب ما يكفي للسلام، فها هو يرسل رسائله الأخيرة. ثمانية وعشرون كاتباً وكاتبة يجلسون تحت شجرة واحدة، ليس ليستظلوا بل ليشهدوا على انهيارهم الجميل. هنا خواطر تكتب بالدمع قبل الحبر: فتاة تنتظر قطاراً لا يأتي، وعاشق يخاطب امرأة لم يرها إلا في منامه، وابن يبكي أباه المدفون تحت تراب لم يعد يحتمل، وشعب كامل يغني لفلسطين بعيون حزينة وقلوب لا تستسلم. لا تبحث عن نصوص مرتبة أو نهايات سعيدة، فهذه كشكول وجع عربي بامتياز. أم تمصّر على البقاء وحيدة، وشاب يحتسي قهوة بالملح خطأً ثم يكتشف أنه اعتاد المرارة، وروح تعلن تمردها على الحزن ثم تعود إليه كمدمن. بعضها يخنقك، وبعضها يضحكك من شدة صدقه. اقرأه ليلاً، لكن احذر: كل جملة هنا يمكن أن تكون رسالتك أنت. من قلبي سلامٌ
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiLMlzGNYa4VBuTkS2fEHpM6kgQj0UUytWwBtkBwOxiqsMPAxOv1SE-MAkqhAvl00YvY-njIdknjW0VIElHOi-lagC0Owo148R4eqMhU6e61YMLKmXL2xBoijo8Y9vSNob2CssUJ4wrB4Y7j1nkzkHqsbIapKBG3XCxO_9tE4bguGIj_ae0JL3LBYV8NXM/s320/486.jpg

لم يعد في القلب ما يكفي للسلام، فها هو يرسل رسائله الأخيرة. ثمانية وعشرون كاتباً وكاتبة يجلسون تحت شجرة واحدة، ليس ليستظلوا بل ليشهدوا على انهيارهم الجميل. هنا خواطر تكتب بالدمع قبل الحبر: فتاة تنتظر قطاراً لا يأتي، وعاشق يخاطب امرأة لم يرها إلا في منامه، وابن يبكي أباه المدفون تحت تراب لم يعد يحتمل، وشعب كامل يغني لفلسطين بعيون حزينة وقلوب لا تستسلم. لا تبحث عن نصوص مرتبة أو نهايات سعيدة، فهذه كشكول وجع عربي بامتياز. أم تمصّر على البقاء وحيدة، وشاب يحتسي قهوة بالملح خطأً ثم يكتشف أنه اعتاد المرارة، وروح تعلن تمردها على الحزن ثم تعود إليه كمدمن. بعضها يخنقك، وبعضها يضحكك من شدة صدقه. اقرأه ليلاً، لكن احذر: كل جملة هنا يمكن أن تكون رسالتك أنت.

من قلبي سلامٌ خواطر - سلسلة كتاب لوتس 33 486 112 أكتوبر 2020 yes 201091985809 مجموعة مؤلفين جنسيات منوعة

مجموعة "من قلبي سلام" الصادرة عن دار لوتس تضم عشرات النصوص القصيرة لمؤلفين مختلفين، بيد أن تشابه الأجواء يكاد يوحي بقلم واحد يئن من جرح واحد.

من هنا تبدأ الرحلة بصوت فاطمة إبراهيم التي تجلس تحت شجرة ذات سنوات، تشتكي لها جفاف البشر وعجز الأم التي ولدتها ولم تعلمها كيف تتعامل مع قلوب تحجرت.

إذن، السؤال الأول الذي يطرحه الكتاب بقوة: كيف تعيش في عالم صار جماداً لا يشعر، وأنت تحاول أن تنطق فلا تجد من يسمع؟

على هذا الأساس، تتوزع الخواطر بين ثنائيات متقابلة: الحب والخذلان، الصمت والرغبة في الكلام، العزلة والحاجة إلى الآخر.

ففي نص لفرح الطحان، تعترف الكاتبة بأنها أوهمت قلبها بأن الشخص كان عابراً، غير أن تفاصيله تمكنت من التفاته وأصبحت تبحث عن سراب مشاعره.

ومن ثم تتشكل لعبة المرآة: كل كاتب يرى انعكاس حزنه في الآخر، وكل نص يحاول أن يمسح جرح سابقه، فلا يزداد الجرح إلا عمقاً.

بل إن سر عيد حسن يذهب أبعد، إذ يعلن أنه لم يعد ثقلاً لكنه يتردى على أسلاك اليأس، وأن العروق نضبت وتبدلت سوائلها عظاماً هشة تحت ثياب الظلام الدامس.

فضلاً عن ذلك، تبرز نصوص تتحدث عن القناع: طرفة الفائح تكشف أن التنافر نشأ لأن كل طرف يرتدي قناعاً، لكن أحدهما يخفيه ليخفي الندوب، والآخر يرتديه كي لا يخلق الزمن ندوباً جديدة.

في المقابل، تتداخل مواضيع الوطن والحب بشكل عجيب، ففي نص لهير خالد، يوصف جيل نشأ على الهروب لا المواجهة، وعلى حب وطن لم يروه سوى في منفى الأحلام.

ويتكرر هذا المزيج في نصوص أخرى حين يتساوى وجع الحبيب مع وجع فلسطين، وحين تصبح القدس رمزاً لكل ما هو مفقود وعزيز.

غير أن أكثر النصوص إيلاماً هي تلك التي تخاطب الموتى: سهيلة مهداوي ترسل رسالة إلى أبيها المتوفى، قائلة إنه برحيله أفلت شمس الحياة وأرخى الليل سدوله على أيامها.

وتأتي رسالة أخرى باسم أحسن ثاني، يُعلن فيها أنه لم يعد يشعر بالانتماء لوطن ولا لحبيبة، وأنه سيرتبط بالموت بعد أن خانتْه الحياة.

على هذا النحو، تصبح الكتابة فعل مقاومة للصمت، تماماً كما في نص لنشوء أحدم التي تمنت أن يراها أحدهم حزينة فيتصرف دون أن تطلب، وأن يبكي معها بدلاً من أن يقول تماسكي.

إذن، الخواطر هنا ليست تدويناً بقدر ما هي صرخات تحت الوسادة، وكلمات تكتب في الهاتف ثم تُحذف، وأسئلة تطرح على الجدران ولا تجيب.

وهكذا، تتنوع الأساليب بين النثر الشعري المكثف عند آية الله هاني الذي يتحدث عن الهبوط والعلو بمدرجات الدنيا، والنص القصصي الساخر عند محمد عبد النعيم الذي يرصد تغير التحيات بعد كورونا.

في حين تعتمد كاتبات أخريات مثل إسراء طعيم الصياد على الاسترجاع الحنيني: ليت الطفولة لم تُطوَ، ليتنا لم نكبر، لكننا كبرنا عَنوة وتكبلنا في عمر العشرين وهرم شغفنا.

بل إن بعض النصوص تصل إلى حد التأمل الفلسفي كتلك التي تسأل عن معنى الانتظار، أو التي تعلن أن العزلة أصبحت ملاذاً وحرية.

من جهة أخرى، يحضر الصوت الذكوري بقوة في نصوص مثل "عبد الكريم منى" الذي يخاطب امرأة بلغة مفرطة في الغزل والعظمة، و"محمد أحمد" الذي يرى أن الصمت أصدق من الكلام في الحب.

ثم تظهر نصوص تتحدث عن الكتابة نفسها كملاذ أخير، مثلما تفعل أمينة يعقوب التي تعلن أنها أدمنت تلطيخ بياض الصفحات بمآسي من خيال جامح.

وعلى هذا الأساس، يصبح الكتاب أشبه بمختبر عاطفي يجمع أنماطاً مختلفة من التعبير عن الألم: هناك من يصرخ، ومن يهمس، ومن يضحك ساخراً، ومن يبكي دون صوت.

بل إن بعض الكاتبات مثل نور عطيد تقترح استراتيجية عملية للتعامل مع الحزن: الهروب إلى الرواية أو فيلم أو صديقة، وعدم التكور في الفراش كي لا يزداد الجرح خدشاً.

غير أن هذا الحل المؤقت لا يلبث أن ينهار مع حلول الليل، حيث تتعرى من قوتها وتستسلم لدموعها، عسى أن تستعيد بسمتها مع إطلالة شمس جديدة.

في الختام، تبقى نصوص جماعية كهذه اختباراً للقارئ: هل سيجد نفسه في كل هذه الأصوات المتشابهة أم سيشعر بالاختناق من كثرة الضجيج الداخلي؟

ربما تكمن قوة الكتاب في تنوعه ذاته، إذ يمنح كل قارئ فرصة لأن يختار نصه الخاص، كأنه يتصفح قلوباً كثيرة على رف واحد.

وهكذا، يظل العنوان "من قلبي سلام" غامضاً: هل هو سلام الوداع أم سلام المصالحة مع الذات أم مجرد تحية عابرة لا تصل إلى أحد؟