رسائل منسية

تتساقط هذه الرسائل كأوراق خريفٍ أحمر، لم تُكتب لزمانٍ حاضر، بل هي أرواحٌ هائمةٌ من ألفيةٍ قديمة، تحملُ صدى ألفين ومائتي حكايةٍ لم تُقرأ. كانت ليلة زفافها، يدركُ أن رحيلها ليس مفاجأة، لكن حروفها لا تزال غضّة، محبِرةٌ بدمعٍ نازفٍ وحبرٍ يشبهُ الدم. "رحلتي لم تأتِ بغتة"، يعترفُ، "كنتُ أعلمُ أنها ليلةَ عرسِك". القصيدةُ هنا ليست مجرد كلمات، بل هي شاهدٌ حيٌّ على قلبٍ صلبٍ بعدما كان غضّاً، وعلى امرأةٍ ماتت بابتسامتها الفضية، تركتْ خلفها قلباً ظمآن لحلمٍ باتَ مستحيلاً. هي قصةُ رجلٍ يتشبثُ بالحياةِ رغمَ قسوتها، يقفُ بعدَ دمعةِ الرسالةِ الأولى، ليُعيدَ بناءَ حلمه، وليُصاحبَ الحياةَ التي لم تعدْ بنفسِ بهائها. رسائل منسية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi64hVOnaEhbgwYgcpmcC8uxXo_2me5qCiS-jzxvAqp-mXNHTbiSypj8mOGKhWPrRDh7gzBMQGmBPXAVzT5yBdzHCvmCFAoGARBHw9OOE07AN6PwPRu8x0v2ov8_BGsuijS2ks8k8MW4Ba-vqzETVvB6H0ZAl1XI2Jc3lc_TkyNm2voL86oFaWm_0mU7U4/s320/330.jpg

تتساقط هذه الرسائل كأوراق خريفٍ أحمر، لم تُكتب لزمانٍ حاضر، بل هي أرواحٌ هائمةٌ من ألفيةٍ قديمة، تحملُ صدى ألفين ومائتي حكايةٍ لم تُقرأ. كانت ليلة زفافها، يدركُ أن رحيلها ليس مفاجأة، لكن حروفها لا تزال غضّة، محبِرةٌ بدمعٍ نازفٍ وحبرٍ يشبهُ الدم. "رحلتي لم تأتِ بغتة"، يعترفُ، "كنتُ أعلمُ أنها ليلةَ عرسِك". القصيدةُ هنا ليست مجرد كلمات، بل هي شاهدٌ حيٌّ على قلبٍ صلبٍ بعدما كان غضّاً، وعلى امرأةٍ ماتت بابتسامتها الفضية، تركتْ خلفها قلباً ظمآن لحلمٍ باتَ مستحيلاً. هي قصةُ رجلٍ يتشبثُ بالحياةِ رغمَ قسوتها، يقفُ بعدَ دمعةِ الرسالةِ الأولى، ليُعيدَ بناءَ حلمه، وليُصاحبَ الحياةَ التي لم تعدْ بنفسِ بهائها.

رسائل منسية شعر 330 144 نوفمبر 2019 yes 201091985809 عاطف درمللي كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgFksNv9cXbZne1lHtiuNzUfueKmYDZSWg-MtYorytuJgs_1MVDVugkMwcbEJ9SbLnaP4bOJUQm9Nxm7PkQ8o1YdlCHN8D5oja3HhGExwQZdjmP5Fs6_2-8tPuc-6U5NKI75ytQLbLn6QMu8U2MXu65NDxxV5Ch_RNjPn-QZWwB60QfO7XUBRcqmhGgs2Q/s295/%D8%B9%D8%A7%D8%B7%D9%81-%D8%AF%D8%B1%D9%85%D9%84%D9%84%D9%8A.jpg

سبعة آلاف ومائتان رسالة. هذا هو عداد الأيام التي مرت دون لقاء، سبعة آلاف ومائتان حبرٌ سال على الورق، يحمل وجع كاتبٍ يتذكر يوم زفاف من أحب، يوم رحيلها إلى عالم آخر غير عالم وجوده. في تلك الليلة، لم يكن رحيلها مفاجئًا، بل كان نهاية فصلٍ كان يعلم أنه قادم. كان يعلم أنها ليلة زفافها، ليلةٌ تزف بها إلى رجلٍ آخر، تاركةً وراءها قلبًا يتمنى لها السعادة، قلبًا نازفًا بين السطور، ودموعًا حروفها.

كانت الرسالة الأولى كشهيدٍ غض، حبرها ما زال نديًا، كأنها كُتبت قبل دقائق. فيها يتمنى لها السعادة، لكن الحروف دامعة والقلب ينزف. لقد ماتت المرأة التي كانت تروي قلبه العطشان بحنانها وابتسامتها الفضية. يتذكر كيف بكت من أجله يومًا، وكيف تمنت أن تحقق أحلامه، بل وكيف استعدت لبيع قرطها الذهبي لتساعده. عامٌ حزينٌ ذلك الذي سبق دخول الألفية الثانية بعامين، عرف فيه معنى الأنين، لكنه أصر على البقاء، على أن يبقى إنسانًا، قلبه الذي عهده غضًا بات صلدًا، حضرته وفاةٌ لم تغلب آباقتها، حياةٌ. تساءل: كيف سيبني؟ ومتى؟ انتهت رسالته الأولى بالدموع، لكن الحلم والحياة ظلا رفيقين.

مرت أربع سنواتٍ على ذلك الزواج العاجل، على تلك التهنئة الوجلة. في تلك الأيام، كان حريصًا على ألا تلتقي عيناهما المتعبتين. تغير هو كثيرًا، حتى ملامحه، لكنها ما زالت تملأ جوارحه. عنون الرسالة باسمها: "حبيبتي". هذا سر عطره الآن وهو يلمسها، سر وجوده وهو يحتضنها. لقد أعد كل شيء للزواج، كان صراعًا شاقًا مع الحياة.

ثم يأتي صوتٌ آخر، صوتٌ يرتفع بنشوة اكتشاف الذات، يرتفع بنشوة الانتصار على القدر. "طهّرت ملوحة عمري، زلزلت ميوعة قدري". يخاطب أعز الناس، يسأل عن طول بحثه وانتظاره، عن رغبته في أن ترى عيناه حرفه، أن يعلم أنه هنا في حصاره. افترقا، فدنا احتضاره. لكنها أشرقت، أزهرت، وأثمرت، كسنبلة قمحٍ في حقله، كلؤلؤة بحرٍ في شكله.

أشرقت كالفجر في قلبه، أصبحت سيدة النساء، برأت، هدأت، آمنت. في لحظةٍ غير متوقعة، جمعت أنين الروح، وأشرقت كشمس الشتاء، تألقت كأميرة النساء. أصبحت حدائق الورود تزدهر، وامتلأ وجه الأرض بالبهاء. رجاها ألا تغيب، دائمًا أن تشرق، أن تتألق. لم يعد ينتظر شروقًا أو غروبًا، لقد أحبها فيما فات من عمره، وسيستمر في حبها فيما تبقى.

ثم تتكشف لنا مدينةٌ طاهرة، مكانٌ مقدس، "يا طهر بقاع الأرض، يا ساكنتي والنبض". هي أعظم مرحلة في تاريخ العمر، أروع قصة منقوشة بالقلب. حين وطأت مدينته، كان كالمسيح، كان كبلال، يحمي الحق، يحمي الود، ويصون العرض. سألها: "من زمن يجوب طهري، والحرف بالدك، بالورد، صماء كل جوارحك بعد". لم تفهمه، لم تعشقه، لم تسمعه، تنكره وكأنه مجنون.

لكنها ترفض الإنكار، ترفض الاستنكار. "أبرأت بكلماتي، وحبي، تلك الروح، وذاك القلب". هي أعظم مرحلة بالتاريخ، أروع غايات السرد. لا يرضيه أن تصلبه، أن تأسره، أن تسجنه، أن تنكره. روحه هائمة، عاشقة، ستبقى على هذا العهد. قد تنتهي الأيام، أو تطوي صفحات المرحلة الأعمق في الوجد، لكن صدقه يبقى، عشقه لم يكن مجرد إعجاب، بل كان "أكثر.. أكثر من هذا الحد".

يسكن خلف جدار الصمت، بين حنايا القلب يمرح. روحه تهفو، ليتك تفرح. هل تدري؟ وهو هناك من وراء الأفق، يراك، تقرأ، تبتسم، وتنتظر. تذكر أن قلبه بجراح غيابك. عيناك نشرتا سحرهما، سطرت بين ملامحك هواك، وأنت تقدح الشعر. كم حرفًا بسطوره سطرت، وكم قصيدٍ للمساء شرحت. كثيرٌ كفيض نهرٍ عذب، يروي بقاعًا ليست به، قلوبًا ليست فيها، تزهو. لك أرواحٌ لست تعنيها، ترنو. تروي أرضًا غير أرضك. ورب عينيك، التي بها آمنت. كان أسيرًا برضاه، ولم يبرح.

تتجلى أمامه أميرته، أجمل المرايا، بلا وجل، بلا خجل. عشقها قبله زمن، وهو يفوز بالهدايا والمزايا. رجاها أن تخبر الأميرة، ألا تكذب. أن تخبرها أنها نورٌ يتجلى، فجرٌ للعيون. أن تمنح القلب الحزين فرصة، تغمر الثغر الوهين بسمة، تملأ الروح الرهين فرحة. لترى كيف تقبل الأيام بلهف، بشغف أقدامها، تنسج الفراشات أحلامها، وتزين الوصيفات يومها.

"وقولي لها: كيف؟ يا أميرة النساء تتململين. الحسن بالعين والقلب، والروح، وبالخد والقد. ألق وجهك بادٍ يتغزل. لن تمحوه أيام وسنون. تجرؤ إن تعبث به فتقتل". كم يحسدها على النعماء التي تتفضل بها. ذكريها، وأذكري أن الحسن باقٍ، باقٍ بها لزمنٍ وعمرٍ مديد وأطول. أسعد، أخلد، وأجمل. كلما طال أمد الشمس، ضوى في الفضاء ألقها، زاد بريقها وبهاؤها. ضياؤها يسمو، تحنو. كل الشعراء يلهمون بها، كل عاشق ملهم فيها. أيقونة للبهاء في الشفق، كلهم فيها ولها يتغزل.

"لا نفترق.. منذ افترقنا، نلتقي عند الغروب". كأننا لم نفترق. عند الأصيل أسبق للقاء، لألقيك. أثق أنك ستجيئين. ما زلت حين تصافحني، أرتوي وأحترق. ما زلت عيناك سري، وعيناي عليك تتفق. ما زلت أمامه طفلًا مشاكسًا، يختلق الشقاوة. ما زلت أشكو، فتبتسم، وتتواري. يتوارى بخديك شفق. إن رحلت راضيًا، فأن على شفتيك تبدو بسمة عذبة. تبدين أجمل من خُلق. فألهو، وأغفو، وأرنو.

ليطل زمان لقاؤنا، فأستدفئ من هواك، وأرتشف من لقاك. حين يمضي الغروب، أصحو، أستيقظ. حولي مساء لست به، فتهفو جوانحي لغدٍ ألقاك. فاعدني له، وأستبق. كأننا لم ولن نفترق.