الفوندو أبعاده المغاربية وعلاقته بقوالب الشعر الشعبي

هل يمكن لمصطلح غنائي أن يبقى غامضاً إلى هذا الحد، رغم أنه حاضر في وجدان الثقافة التونسية منذ قرن كامل؟ يفتح هذا الكتاب ملفّ "الفوندو" الموسيقي، ذلك القالب الغنائي الذي ظل عصيّاً على التعريف، بين كونه ملزومة بدوية أو فكاهة حضرية أو هجيناً بين المالوف والشعر الشعبي. لا يكتفي الدكتور فراس الطرابلسي بجمع التعريفات المتضاربة التي وردت في كتابات المؤرخين، بل يتجاوزها إلى استنطاق المدونة الصوتية والمخطوطات، ليضع النصوص الشعرية الأربع الشهيرة تحت مجهر التحليل المقارن: "فراق غزالي"، "يا خيل سالم"، "نميت نم المخاليل"، و"شوشانة". في رحلة تمتد من قرطبة إلى قسنطينة، ومن البادية التونسية إلى التراث الأندلسي، يكشف الكتاب عن أن "الفوندو" ليس قالباً موسيقياً مستقلاً، بل هو تسمية انطباعية لظاهرة أوسع، هي تزاوج الألحان الحضرية مع نصوص الملزومة البدوية. دعوة لإعادة النظر في المصطلحات الموسيقية المتوارثة، وللانطلاق في رحلة اكتشاف ذاكرة جماعية ما زالت تنبض خلف الكلمات والألحان. الفوندو أبعاده المغاربية وعلاقته بقوالب الشعر الشعبي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgr9E-qxjHY3Pn0dPiUmnBoLk9OvejcLkDr4fbSvkUfykN9wRjlRdCP_x60gqCH5YVr70Ch5aZc0n6yfK0d8hmIIZcfsEdE_gbyYS6JhyphenhyphenSEE9DznpMhaef0GUN0VKA2avcnPjPn3n58nIVPsbv3B3CM0GACTG6xOIU6UqYCkJTy7rFE8ADZABDTzph8RYk/s320/732.jpg

هل يمكن لمصطلح غنائي أن يبقى غامضاً إلى هذا الحد، رغم أنه حاضر في وجدان الثقافة التونسية منذ قرن كامل؟ يفتح هذا الكتاب ملفّ "الفوندو" الموسيقي، ذلك القالب الغنائي الذي ظل عصيّاً على التعريف، بين كونه ملزومة بدوية أو فكاهة حضرية أو هجيناً بين المالوف والشعر الشعبي. لا يكتفي الدكتور فراس الطرابلسي بجمع التعريفات المتضاربة التي وردت في كتابات المؤرخين، بل يتجاوزها إلى استنطاق المدونة الصوتية والمخطوطات، ليضع النصوص الشعرية الأربع الشهيرة تحت مجهر التحليل المقارن: "فراق غزالي"، "يا خيل سالم"، "نميت نم المخاليل"، و"شوشانة". في رحلة تمتد من قرطبة إلى قسنطينة، ومن البادية التونسية إلى التراث الأندلسي، يكشف الكتاب عن أن "الفوندو" ليس قالباً موسيقياً مستقلاً، بل هو تسمية انطباعية لظاهرة أوسع، هي تزاوج الألحان الحضرية مع نصوص الملزومة البدوية. دعوة لإعادة النظر في المصطلحات الموسيقية المتوارثة، وللانطلاق في رحلة اكتشاف ذاكرة جماعية ما زالت تنبض خلف الكلمات والألحان.

الفوندو أبعاده المغاربية وعلاقته بقوالب الشعر الشعبي فنون 732 122 مايو 2023 yes 201091985809 د. فراس الطرابلسي كاتب تونسي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiOH8alidwR1QJXqo91GYl2oEpgXevs0Ko3z_gfrd4zaynsiYA419fvyiBEHQRBAg4kpTfobBScm-SFFWW0Npjur6NgRkY8zewhtpxuTlmYZ1xyLsl-ndphXtMhh_ZXYocJQq_8WePbgy1DO2PcoeNZOgMsc0e-SZGzHMXawRf_BU3j0MtBifGbEFEKfGY/s295/%D8%AF.-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%B3%D9%8A.jpg

ينطلق الدكتور فراس الطرابلسي في هذا الكتاب الموسيقي المتخصص من سؤال جوهري: ما هو "الفوندو" في الموسيقى التونسية؟ يستعرض في البداية الإشكالية المصطلحية التي أحاطت بهذا القالب الغنائي منذ بدايات القرن العشرين، فيرصد تعريفات متباينة عند المؤرخين الموسيقيين التونسيين، من "المنوبي السنوسي" الذي اعتبره فكاهة تُدمج في برامج المالوف، إلى "صالح المهدي" الذي وصفه بأنه الصنف المتأزّ من الأغنية، وصولاً إلى "فتحي زغندة" الذي رآه جسراً بين الموسيقى التقليدية والشعبية. ويخلص إلى أن كل هذه التعريفات، على تعددها، تظل ضبابية ولا تقدم تحديداً دقيقاً للخصائص الشعرية واللحنية للفوندو. غير أن الطرابلسي لا يكتفي بالنقد، بل يشرع في تفكيك النماذج الأربعة المحسوبة على هذا القالب، محاولاً تلمس ملامحه الحقيقية من خلال التحليل المعمق للنصوص الشعرية والبنى اللحنية.

يبحث الكتاب في العلاقة الجوهرية بين نصوص الفوندو وقوالب الشعر الملحون التونسي، ويركز على مصطلح "الملزومة" بوصفه الهيكل الشعري الأساسي الذي تقوم عليه هذه القطع. ويقدم تحليلاً مقارناً يوضح كيف أن نصوصاً مثل "فراق غزالي" و"يا خيل سالم" إنما هي ملزومات من نوع "عرضاوي بورجيلة" أو "بورجيلة تباعي"، وقد أُكسيت بألحان مقامية من رصيد المالوف التونسي. في المقابل، يثبت بالتحليل أن هذه النصوص لم تلتزم تماماً بقواعد الشعر الملحون، ففي "يا خيل سالم" مثلاً، يلحظ المؤلف خللاً في البنية الإيقاعية للشعر وترنحها بين نوعين من الملزومة، مما يشير إلى تدخلات لحنية أو شعرية غير مدروسة. من هنا، يطرح الكتاب سؤالاً حاسماً: أيمكن اعتبار هذه النصوص "قالباً" موسيقياً وهي تفتقر إلى التركيبة الشعرية المكتملة والضوابط العروضية الثابتة؟

يوسع الطرابلسي نطاق التحليل ليشمل أبعاد الفوندو المغاربية، فلا يقتصر على تونس، بل يتتبع انتشار النصوص نفسها في الجزائر، في قسنطينة وعنابة، ويقارن بين رواياتها الصوتية المختلفة. يكشف، على سبيل المثال، أن "فراق غزالي" ورد في المخطوطات التونسية تحت اسم "ملزومة رصد الذيل" ولم يُستخدم مصطلح "فوندو" إطلاقاً، في حين أن النسخة الجزائرية حملت توقيع الشاعر "شهاب الدين ابن التيفاشي". هذا التنقل بين المدونات المكتوبة والمسموعة يمنح الكتاب قيمة إضافية، حيث يظهر أن الذاكرة الموسيقية المغاربية كانت أكثر اتساعاً مما تصوره التعريفات الضيقة القائمة على الجغرافيا السياسية الحديثة. ويؤكد الطرابلسي أن مصطلح "فوندو" بجذره الإسباني "جوندو" أو "هوندو" (بمعنى عميق)، قد ارتبط بالغناء الأندلسي العميق، لكن استخدامه في تونس كان انطباعياً بعيداً عن الدقة التقنية.

يتعمق الكتاب في الجوانب الموسيقية الدقيقة، فيدرس الأجناس المقامية المستخدمة في الفوندوات الأربع، من طبع "رصد الذيل" إلى طبع "الحسين"، ويرصد الحركات اللحنية والإيقاعات، كـ"المدور الحوزي" و"دخول البراول" و"البطايحي". ويقدم قراءة في ظاهرة "التطريز" التي طالت بعض النماذج، وهي إضافة نصوص شعرية من الموشحات أو الأزجال إلى نص الفوندو الأصلي، كما في نسخة "نميت نم المخاليل" التي أدتها الفرقة القومية سنة 1984، حيث أُقحمت أبيات شعرية فصحى من موشحات المالوف. ويرى المؤلف في هذا التطريز دليلاً على محاولة تطعيم الأغنية البدوية بجماليات الموسيقى الحضرية، ولكنها محاولة ظلت خارج القواعد البنائية للشعر الملحون، مما جعل النص النهائي هجيناً لا ينتمي تماماً إلى أي من السياقين.