التدفق في عروق الذاكرة

تستيقظ الذاكرة فينا كشجرة زيتون عتيقة، تجذر جذورها في تربة الألم، وتغزل أغصانها خيوطاً من صمود. هي ليست مجرد حكايات تُروى، بل هي تلك الأنفاس التي انحبست في صدور نساء أردن الحياة في زمن استهلكته المواجع. تجد روحك في منتصف الطريق، عاريةً، تعلن احتجاجاً صامتاً على ما مرّ، بينما يتجاوزك القطيع دون التفات، ربما لثقل همومك أو لفقر اللغة التي تعبر بها عن جوهرك. قد يقف البرد أمامك، سهامه تخترق صقيع الروح، فيدفعك للتقهقر إلى أمسٍ كان فيه الطبيب يتحدث عن جراحة عاجلة، وعن طوابير تمتد بلا نهاية، حيث الختم يصبح كل ما يمنحك الحق في الحياة. هنا، في عروق الذاكرة، يتجلى وهج إصرار الأمهات، اللاتي يحلمن بتمكين بناتهن، فلا يعشن الطفولة بالألعاب، بل بالمسؤولية التي تثقل أكتافهن ليكن "أم الطبيبات"، ويحملن عن رجالهن خزي ثقافة مهرئة. التدفق في عروق الذاكرة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgX0t4lD97USVr8T3zx2asUvZT2O-ZQInaOt4FYGYZV-ah8nc_VMBi4GCYuQD14BmEehO1qAxLzDdmh6-9QD8oHztPXyWSHmqxvAOOqvYRfKDcqW7xj3t9xeU01DBXmtMpb2WVTGiCSJoqzI_O4XpwT7TI25O6l5dJuf1xNQe1nAp5Ug1IyT12xr1DPmu4/s320/390.jpg

تستيقظ الذاكرة فينا كشجرة زيتون عتيقة، تجذر جذورها في تربة الألم، وتغزل أغصانها خيوطاً من صمود. هي ليست مجرد حكايات تُروى، بل هي تلك الأنفاس التي انحبست في صدور نساء أردن الحياة في زمن استهلكته المواجع. تجد روحك في منتصف الطريق، عاريةً، تعلن احتجاجاً صامتاً على ما مرّ، بينما يتجاوزك القطيع دون التفات، ربما لثقل همومك أو لفقر اللغة التي تعبر بها عن جوهرك. قد يقف البرد أمامك، سهامه تخترق صقيع الروح، فيدفعك للتقهقر إلى أمسٍ كان فيه الطبيب يتحدث عن جراحة عاجلة، وعن طوابير تمتد بلا نهاية، حيث الختم يصبح كل ما يمنحك الحق في الحياة. هنا، في عروق الذاكرة، يتجلى وهج إصرار الأمهات، اللاتي يحلمن بتمكين بناتهن، فلا يعشن الطفولة بالألعاب، بل بالمسؤولية التي تثقل أكتافهن ليكن "أم الطبيبات"، ويحملن عن رجالهن خزي ثقافة مهرئة.

التدفق في عروق الذاكرة مجموعة قصصية 390 80 يناير 2020 no عزة مصطفى عبد العال كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiesCOckkpflmYiCTVud5KkffE8cgEpltZO1vKl1EqhSzjbUWJCMejLJX-y8AqeUBbrUIgDs4qlbv6oPDA7EeN9r44EFYpgXR19QsOWyAZfeE60D7w2VIVlNGfRg50_gChmtDYygjfWRq-jLGr-jIf_TvffPE9kC8h8WQJQUL52milrA-hVvWiJzrPQqQg/s295/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84.jpg

ذاكرة الإنسان ليست مجرد خزانة للوقائع، بل هي نهر يتدفق في العروق، يحمل معه طمي المواجع وبلورات المسرات الصغيرة، وهذا ما تبرهن عليه عزة مصطفى عبد العال في مجموعتها القصصية "التدفق في عروق الذاكرة". تطرح الكاتبة نصاً يرفض الاستكانة للمجاز، ويبحث عن الحقيقة العارية في طرقات الحياة المزدحمة بالوجوه الصامتة والقلوب المنهكة. تبدأ الحكايات بمشهد الاحتجاج، حيث الإنسان الذي يجد نفسه وحيداً أمام برد العالم وتجاهله، يقف في طوابير الانتظار الطويلة بحثاً عن ختم رسمي يمنحه حق الحياة أو فرصة للنجاة من ألم مباغت. إنها الذاكرة التي لا تستعيد الماضي بوصفه زمناً انقضى، بل بوصفه جرحاً حياً يرفض الالتئام، ومحاولة مستمرة لترميم الذات التي استهلكتها الغربة والوحدة وصراعات البقاء المريرة.

تستحضر المجموعة صورة المرأة التي أرادت الحياة رغم أنف المواجع، فتتجلى في قصصها تلك القوة الخفية التي تدفع الأم لتحويل ابنتها السابعة إلى طبيبة، متحديةً ثقافة ذكورية تقيد الطموح بحسابات النوع. تعكس هذه الحكاية تحديداً فلسفة "نيتشه" حول إرادة القوة، لكنها هنا إرادة ناعمة تصبغها دموع الأم الصابرة التي لم تكن تحلم بأكثر من لقب "أم الطبيبات" لتمحو به خزي مجتمع لا يرى في البنات إلا عبئاً. الوجع في هذا النص ليس بكاءً عابراً، بل هو ضريبة تُدفع من سنوات الطفولة الضائعة بين الكتب، ومن الحكايات التي لم تُروَ تحت الدفء، لتثمر في النهاية لحظة سعادة حقيقية حين يرتسم الامتنان في عيني مريض فقير يجد أخيراً من يداوي جراحه.

تنتقل السردية برهافة لتلامس جدران البيوت المغلقة، حيث تسكن "صباح" الجارة التي يغلفها الصمت في حضور زوجها المغترب، وتتحول إلى كائن متفجر بالحدة في غيابه. هي صورة للمرأة التي لا يعوزها الجمال ولا المال، بل يعوزها "الحضور"، فالغربة لا تسرق الرجال من بيوتهم فقط، بل تسرق الطمأنينة من قلوب النساء اللواتي يواجهن مصيرهن وحدهن تحت وطأة الانتظار المرير. الكاتبة تبرع في تصوير هذا السقوط الهادئ، حيث تتحول الرقة إلى صراخ مكتوم، والجمال إلى وسيلة للاحتجاج على غياب السند. كل قصة في هذا العمل هي نبضة في عرق الذاكرة الجماعية لنساء ورجال يمشون في الظل، يفتشون في وجوه العابرين عن ملامح غابت، أو عن "ختم شعار" يثبت أنهم لا يزالون على قيد الوجود.

تنسج عزة مصطفى خيوطها بأسلوب أدبي يبتعد عن التقريرية، فتجعل من الطابور الطويل أمام المشفى استعارة للحياة البشرية برمتها، حيث الجميع ينتظر والجميع يحدق في المجهول. لا تكتفي الكاتبة برصد الألم، بل تزرع بذور الأمل في تفاصيل صغيرة، كراتب أول يُشترى به هدية للأم، أو دعوة صادقة من غريب. إنها دعوة للقارئ كي يتأمل في تدفق حياته الخاصة، ويراجع تلك اللحظات التي تجاوز فيها الجميع دون التفات، ليدرك أن البطولة الحقيقية تكمن في القدرة على الصمود في وجه "البرد الذي يتفحصنا" دون أن ننهزم تماماً. المجموعة في مجملها لوحة إنسانية مرسومة بمداد الحنين والوعي، تمنح القارئ مرآة ليرى فيها انعكاس روحه وهي تصارع أمواج الذاكرة العاتية، مؤكدة أن الكتابة هي الطريق الوحيد لاستعادة ما فقده العمر في زحام الأيام.