مميز بالأسود

هنا، حيث تتجسد الحروف كثوبٍ يكسو الأفكار، لا مجرد كلماتٍ تُحفظ. "مميز بالأسود" ليس عنوانًا عابرًا، بل هو اعترافٌ صريحٌ بأن الظلال لا تخلو من بريق، وأن ما يبدو داكنًا قد يحمل في طياته ألوانًا لم ترها العين بعد. تتسلل هذه الخواطر النثرية، لا لتُبهر بالبهرجة، بل لتناجي ما في الروح من وجعٍ خفي، تلك الأصوات التي تعصف بالقلوب دون استئذان. هي كمن يقف على حافة الغرق، يرى الآخرين ينجون بدمٍ بارد، بينما يترك نفسه لتياراتٍ تأخذه إلى حيث لا تدري. هنا، حيث يتراقص الضمير، ذاك الحارس المتسلط فوق الجفون، ليُذَكِّرنا بجملةِ دواءٍ لم نُعطها، أو بخطيئةٍ افتراضيةٍ قد تكون سببًا في خراب كوكبٍ بأكمله. هذا الكتاب لا يعد بالبهجة، بل بصدقٍ قد يؤلم. مميز بالأسود
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhhcbFoMdf1MsGnSradpYYpgWDT5DjPiWBuhoFkBgdD3xYnW6dBfYM7XDFo3EWamhN0pBhljQz0RQBBI3j1rs4flAMezhjwX9XMpa3wIrrxVYwqDUz2IEc3dxA-vmlz_jcxlEZXnZ7DYLXhJqxidjTlOOCulDRBSoLCbP03P7NKwMKspMwrQQljYG7WQRc/s320/403.jpg

هنا، حيث تتجسد الحروف كثوبٍ يكسو الأفكار، لا مجرد كلماتٍ تُحفظ. "مميز بالأسود" ليس عنوانًا عابرًا، بل هو اعترافٌ صريحٌ بأن الظلال لا تخلو من بريق، وأن ما يبدو داكنًا قد يحمل في طياته ألوانًا لم ترها العين بعد. تتسلل هذه الخواطر النثرية، لا لتُبهر بالبهرجة، بل لتناجي ما في الروح من وجعٍ خفي، تلك الأصوات التي تعصف بالقلوب دون استئذان. هي كمن يقف على حافة الغرق، يرى الآخرين ينجون بدمٍ بارد، بينما يترك نفسه لتياراتٍ تأخذه إلى حيث لا تدري. هنا، حيث يتراقص الضمير، ذاك الحارس المتسلط فوق الجفون، ليُذَكِّرنا بجملةِ دواءٍ لم نُعطها، أو بخطيئةٍ افتراضيةٍ قد تكون سببًا في خراب كوكبٍ بأكمله. هذا الكتاب لا يعد بالبهجة، بل بصدقٍ قد يؤلم.

مميز بالأسود خواطر نثرية 403 72 فبراير 2020 yes 201091985809 رشا السيد علي كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgA1b7eOhwwEG6shchD13WeBLH5lMi1YiGFjlABRUfJ632zk0Au4qWCTzdfxIOOMAz43rJQgGZdKh-At2KAulaCy1ZTN8jupcrUstrui0M6oF4xdbeW5bc6ggFAMb239CvE73Te-GstJtdbYr0Ob92uz203I-QY1MG4gCoO9PDigEsDkjDsRq051nTUpm0/s295/%D8%B1%D8%B4%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A.jpg

تنسال كلمات رشا السيد علي في كتابها "مميز بالأسود" كأنها غيمة داكنة ترفض الانقشاع، محملة بزخات من الهواجس التي لا تطرق الأبواب بل تقتحمها اقتحاماً. يفتتح العمل فضاءه بنبرة حادة تشبه صرخة "كافكا" في دهاليزه المظلمة، حيث يوجه الإهداء إلى "لصوص القلوب" الذين يتركون الأرواح خاوية على عروشها، 

أولئك الذين يغنمون بالنجاة ويتركون رفاقهم يصارعون الغرق بمفردات تنضح بالمرارة والخذلان. لا تعد المؤلفة قارئها بحدائق وردية أو نزهات مريحة في دروب السعادة، بل تضعه أمام مرآة خشنة تعكس شقوق الروح ونزيف الوجدان، محذرة بصدق يلامس حدود القسوة من أن هذا النص ليس للترفيه أو التسلية، بل هو اعتراف طويل بالهزيمة الإنسانية أمام ضجيج الضمير. 

تتأرجح الخواطر بين الذاتي والعام، محولة الألم الفردي إلى مأساة كونية تجعل القارئ يشعر بثقل الوجود في كل جملة قصيرة ومكثفة تنسجها الكاتبة ببراعة الحزين الذي لا يسعى للاستعطاف، بل يسعى للتطهر عبر الكلمة.

تتجسد ذروة المكاشفة في حوارية متخيلة مع الأم، حيث يتحول الضمير من مجرد رقيب أخلاقي إلى "حارس متسلط" يقيد الجفون ويمنع النوم، في استعارة حية لمعاناة الإنسان المعاصر مع فرط الحساسية تجاه العالم. تحكي المؤلفة عن علبة دواء مهدئ، كانت تمثل لها "فردوساً مفقوداً"، لكنها سرعان ما تتخلى عنها لصالح مجهولين قد يكونون أكثر وجعاً منها، مثل طفل صغير أو شيخ ينهشه المرض.

 هذا التخلي ليس كرمًا بقدر ما هو هروب من شعور طاغٍ بالذنب، حيث يتضخم هذا الشعور حتى تظن البطلة أنها المسؤولة الشخصية عن حرائق الغابات، وخراب الأوطان في سوريا واليمن، وحتى المؤامرات السياسية والفتن الدولية. 

إنها حالة من "الجلد الذاتي" الصوفي، حيث تذوب الحدود بين الأنا والآخر، ويصبح الفرد حاملاً لأوزار الكوكب بأسره، في تراجيديا نفسية تصور كيف يمكن للوعي الحاد أن يصبح لعنة تصيب صاحبها بلوثة من الحزن النبيل.

يستحضر النص روح الفيلسوف "سيوران" في تأملاته حول العدم والوجع، لكنه يبقي على خيط رفيع من الإنسانية يربطنا بالأرض، فالمؤلفة لا تكتب لتنعي الحياة بل لتشرح جثتها أمامنا بوضوح تام. الكتاب بمثابة وثيقة عن "الضمير" الذي تعتبره الكاتبة وباءً أصابها، وهو في جوهره دعوة غير مباشرة لتأمل تلك الرابطة الخفية التي تجعلنا نتألم لأوجاع لا تخصنا، ونعتذر عن خطايا لم نرتكبها. 

لا ينتهي النص بوعظ أو إرشاد، بل يترك القارئ في مواجهة صمته الخاص، محاطاً بلون الكتاب الأسود الذي يزعم التميز لا بالبهجة بل بالصدق المطلق الذي لا يخشى الاعتراف بالضعف. إنها تجربة أدبية ترفض الزيف، وتختار أن تظل عالقة في منطقة الرماد، حيث الكلمات لا تشفي الجروح بل تسميها بأسمائها الحقيقية، لتترك أثراً يشبه أثر الملح على جرح مفتوح، مؤلماً لكنه مطهر في آن واحد.