خريف 2094

استيقظ الرجل مذعوراً على صرخة لم يسمع مثلها من قبل. لم يمنعه شيب رأسه أو تيبس مفاصله من الركض نحو الغرفة المغلقة، كأم سمعت استغاثة صغيرها. لم يكن معهما سوى هما الثلاثة في هذا المكان؛ فقد مات الجميع منذ زمن، وتبقى ثلاثة فقط. هذا الرجل الذي كان يرعاهم، لم يشأ إخبارهم بما حدث، فحبسهم في الغرفة لست سنوات. لقد عرفهم منذ كانوا صغاراً وأحبهم لدرجة أنه أشفق عليهم من الانتحار مثل الآخرين، مؤكداً أنه كان متيقناً من ذلك. في منتصف الليل، سُمعت الاستغاثة، وبعدها بأشهر قليلة، فقط هما الاثنان. كانا معاً منذ زمن في هذه الغرفة الحديدية، يعلمان كم بقيا معاً ولماذا هما هنا. خريف 2094
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj2bj6OQ9ZNItcneOgAdcwYsEY_kmG-NGP1IGgTQQflbG2JcBR7rcVfocTLwJ7q_mBfE65wIrIr72rWZ7nHRoaBKBr5AhwVjshAjL9vUPdU9UOD0_8xRVJjrFTfrG7Unrhf9mCQ3wAMa0VBS7_YrSnFsMzRQ_QtdBg2fR0qzDKSCd8eAbXBPp9d5FhezyA/s320/456.jpg

استيقظ الرجل مذعوراً على صرخة لم يسمع مثلها من قبل. لم يمنعه شيب رأسه أو تيبس مفاصله من الركض نحو الغرفة المغلقة، كأم سمعت استغاثة صغيرها. لم يكن معهما سوى هما الثلاثة في هذا المكان؛ فقد مات الجميع منذ زمن، وتبقى ثلاثة فقط. هذا الرجل الذي كان يرعاهم، لم يشأ إخبارهم بما حدث، فحبسهم في الغرفة لست سنوات. لقد عرفهم منذ كانوا صغاراً وأحبهم لدرجة أنه أشفق عليهم من الانتحار مثل الآخرين، مؤكداً أنه كان متيقناً من ذلك. في منتصف الليل، سُمعت الاستغاثة، وبعدها بأشهر قليلة، فقط هما الاثنان. كانا معاً منذ زمن في هذه الغرفة الحديدية، يعلمان كم بقيا معاً ولماذا هما هنا.

خريف 2094 رواية 456 220 أغسطس 2020 yes 201091985809 أحمد حامد كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj_IvfRCFV1dD_TvSrBYTRbZ9geJEzbE4NvFUntVmHf4OVF-QKrkzkMOgbw1fV3Jw3u-o3ErDHxbC1gYzEYU4bdJfSlcYy8bAfhOpQ7KCuzcZz9IgRcN8cMTE_El-959_8k6QG28U1bklD9Bsn7NNnu_rbxHhRHuoS8tOOz3MOUzVL5v1kTDmv8fqgxUyo/s295/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AD%D8%A7%D9%85%D8%AF.jpg

يستيقظ بطل الرواية مفزوعاً على صوت استغاثة لم يسمع مثلها من قبل، لم تمنعه شيخوخته أو تيبس مفاصله من الركض نحو الغرفة المغلقة. كان وحده مع اثنين آخرين في هذا المكان، والجميع قد مات منذ زمن، ولم يبقَ سوى هو ليقوم برعايتهم. أخفى عنهم حقيقة وفاتهم منذ ست سنوات، خوفاً من أن ينهوا حياتهم يأساً كما فعل الآخرون. لكنه نسي صندوقاً كان يحبسهما فيه، وهذا الصندوق كان يقتلهما ببطء.

قبل ستة أشهر، كان الاثنان معاً في الغرفة الحديدية، يعلمان كم بقيا ولماذا هما هنا. عاد جسد أحدهم إلى الحياة، لكن روحه كانت قد غادرت للتو. أصبح سعيداً لأول مرة في حياته. استيقظ الفتى الحالم على نظرة طويلة من رفيقه الذي كان يراقبه وهو يتناول طعامه بشراهة. لم يكترث فتات الطعام المتساقط، فقد كان تركيزه منصباً على حركة عيني سعيد أثناء نومه، التي كانت تتحرك بعشوائية. شعر سامر أن سعيد ليس نائماً بل يدعي النوم. ابتسم الفتى حين أفاق وألقى التحية على سامر، ثم اتجه إلى حصته من الطعام. لم تقل شهيته عن شهية رفيقه، الذي كان يتناول طعامه في صمت ويرمق سعيد بنظره بين الحين والآخر. سأل سعيد: "كيف حال صديقي؟" فأجاب الآخر: "بكل خير طبعاً، وماذا عنك؟" رد سعيد: "بأفضل حال". سأل سامر: "هل كنت تحلم؟" أجاب سعيد: "نعم كنت... وما أدراك أني كنت أحلم!" رد سامر: "من حركة عينيك أثناء النوم يا صديقي، ليس عينيك فقط، فقد كان جسدك بكامله يتحرك أثناء نومك، حتى ظننت أنك لست نائماً، أو ربما كنت محمومًا." قال سعيد: "إذن قد فضحني جسدي أثناء النوم، نعم حلمت يا صديقي، ولأول مرة أستطيع وصفه لك، ربما عندما أنتهي من هذه القصاصات أستطيع أن..." توقف الفتى عن الكلام والتفت فجأة إلى صندوقه وكأنه تذكره، ثم ابتسم واعتذر من رفيقه وتابع.

السفرة الثانية: الطريق إلى أواريس. المكان: ميناء طيبة النهري. الزمان: ليلة صيف صافية السماء عام 1540 ق.م. جنود وفلاحون وشاب يدعى "أي هلال" بالمصرية القديمة. كان الليل قد بسط بساطه على المدينة ذات المعابد والأعمدة الشامخة، طيبة، عاصمة الحضارة ومطلع نور فجر التاريخ.

يحدث الرجل الغريب الكاتب عن رسل سبقوا، ويقول في كتابه الكريم: "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير"، ويعني بذلك أن لكل أمة رسولاً ينذرها ويدعوها لعبادة الواحد الأحد. يعترض الكاتب: "غرابة مجيئك وغرابة كلامك يدفعني ألا أصدق". يرد الغريب: "هذا شأنك يا صديقي". يصر الكاتب: "لن أفكر حتى في الأمر". يقول الغريب: "صديقي الكاتب، طبقاً لطبيعتي النوستالجية، لن أؤثر بك ولن تؤثر بي، هدئ من روعك". يقول الكاتب: "هذا حسن على أي حال". يرد الغريب: "هذا ليس حسناً لو فارق الأزمنة بيني وبينك، إنه قرارك". يتساءل الكاتب: "وإن كان قراري لا؟" يجيب الغريب: "هذا شأنك مع خالقك". يسأل الكاتب: "هل سيعذبني؟" يرد الغريب: "يقول خالقك وخالقي (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)". يصرخ الكاتب بانفعال: "الرسول إذن؟" يسأل: "وأين هو؟" يجيب الغريب: "لا تقلق، هو سيجدك".

تحرك النوستالجي خطوتين مبتعداً عن الرجل ثم استدار له قائلاً: "إلى اللقاء يا صديقي". فرد عليه الكاتب متأثراً: "إلى اللقاء... ولكن قل لي قبل الرحيل ما الذي يجبرني على تصديقك؟" يرد الغريب: "لست مجبراً على تصديقي يا رجل، هدئ من روعك. ألم تقل لي أنك تعيش الكذب وتحترفه؟ ما أدراني أنك لا تكذب؟" استمر النوستالجي في الابتعاد رويداً رويداً عن الكاتب، مختلساً بعض النظرات السريعة إلى الوراء ناحية إخناتون المثير للجدل، والهائم في تسابيح كما يفعل الصوفيون. أما الكاتب فكان يحدق إلى الغريب بشدة، وقد تبعثرت أفكاره وتسارعت نبضات قلبه بشكل مفجع، فصرخ منادياً الغريب: "ولكني أشعر أني أصدقك!". تفاجأ النوستالجي بما قاله الكاتب، فوقف في مكانه ثم استدار إليه بابتسامة وداع، ثم غدا في طريقه دون أن يتفوه بكلمة. لم يتحرك بضع أمتار حتى سمع دوي سقوط، فالتفت صوب الصوت فلم يرَ إلا جثة الكاتب على الأرض يعلوها هالة من غبار. لقد مات الكاتب.