انتقام الشر

وصل شاب في أوائل العشرينيات إلى فندق الياسمين الفاخر بسيارته الألمانية، مفاتيحه في قبضة الحارس. سأل بلهجة متعجرفة عن "فتاته"، فكان رد الحارس مفعمًا باللهفة، مخفيًا نواياه. الحارس، الذي اعتاد إذلال الأثرياء، ابتلع مرارة كراهيته تجاه هذا الزائر، متمنيًا له نهاية قاسية. بينما اتجه الشاب نحو المصعد، تمتم الحارس بشيء يحمل في طياته وعيدًا يعتمد على اختفاء أموال وسلطة والده. في زاوية مظلمة، التقى الحارس برجل تجاوز الأربعين. بكلمات مقتضبة، تأكد الرجل من هوية الشاب، فبادله الحارس انحناءة مهينة، كمن يحمل أثقالًا. كان الأمر واضحًا: هذا اللقاء ليس مجرد لقاء عادي، بل بداية لما هو أعمق وأشد خطورة. انتقام الشر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgyCQrMSYMdDZ-Jb1DW-vsV2bbxfKCLuHh5fz4QJnPWt3n3TKAkv1xv9Pk24KC8CyDxylkR3HoLfRunKojgcqvut1zTsc8WQpmu7rFXTk5Iub0Sc3mEJCibpllR6Qsk5HnHqVSc2aP-VGHbN4LGL7XK9spmokp4dDqaLUUHK66-GIJkRd7OaMABeUKf8KA/s320/253.jpg

وصل شاب في أوائل العشرينيات إلى فندق الياسمين الفاخر بسيارته الألمانية، مفاتيحه في قبضة الحارس. سأل بلهجة متعجرفة عن "فتاته"، فكان رد الحارس مفعمًا باللهفة، مخفيًا نواياه. الحارس، الذي اعتاد إذلال الأثرياء، ابتلع مرارة كراهيته تجاه هذا الزائر، متمنيًا له نهاية قاسية. بينما اتجه الشاب نحو المصعد، تمتم الحارس بشيء يحمل في طياته وعيدًا يعتمد على اختفاء أموال وسلطة والده. في زاوية مظلمة، التقى الحارس برجل تجاوز الأربعين. بكلمات مقتضبة، تأكد الرجل من هوية الشاب، فبادله الحارس انحناءة مهينة، كمن يحمل أثقالًا. كان الأمر واضحًا: هذا اللقاء ليس مجرد لقاء عادي، بل بداية لما هو أعمق وأشد خطورة.

انتقام الشر رواية 253 132 يوليو 2019 yes 201091985809 هشام الحمراوي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhKzk_yqs6F60GKpEwlLBMVjq6J8xFR01ASO-od7ayU0TZZsZ_Mp7MMkKg0ID8veIjRbxsKM4F9E4oS1mH9TTqSC1db77OTD4ectFYGRcgRi3vZy0x0FozqUVAbHuviQ-lfX-SIjqq2v3hly-2Vzw_8x7V6XjJC5cLNjQhDKXBu3-cVGnvxOz6mgBYpei4/s800/%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A.png

تتحرك خيوط الدراما في رواية "انتقام الشر" لهشام الحمراوي بدءاً من نقطة تماس حادة بين الثراء الفاحش والترصد الأمني، حيث يفتتح المشهد بشاب عشريني يجسد سطوة المال في فندق ذي خمس نجوم، بينما يراقبه حارس يطوي ظهره خنوعاً وفي قلبه كراهية تغلي. هذا التفاوت الطبقي ليس مجرد خلفية اجتماعية، بل هو المحرك الأول لعملية مراقبة معقدة تبدأ بصور فوتوغرافية وتنتهي بمطاردات في أزقة المدن المغربية. يعامل المؤلف الشخصيات كقطع شطرنج في رقعة استخباراتية، حيث تظهر شخصية "سام" الملقب بـ "الشبل الأسود" كمركز ثقل في العمليات السرية، محاطاً بهالة من الغموض الذي يغلف تحركاته وانتحاله لشخصيات مختلفة. تبلغ نسبة التوتر ذروتها حين يكتشف سام أنه تحت المراقبة اللصيقة من أجهزة الأمن المغربية منذ اللحظة الأولى لوصوله، مما يحول اللعبة من مطاردة أحادية الجانب إلى اشتباك استخباراتي متعدد الأطراف.

تتشابك المسارات حين يظهر طارق كطرف متمرد يحاول النجاة بجلده من قبضة "عباس السلامي"، الزعيم الذي يرى في التمرد عدوى يجب استئصالها فوراً قبل أن تتحول إلى أيقونة لغيره. يشبه الحمراوي هذا الصراع بسباق مع الزمن، حيث يدرك عباس أن عدوه لديه ساعات قليلة فقط قبل أن يذوب كقطعة سكر في إبريق شاي ساخن، فاراً نحو الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط. يعتمد النص على حوارات قصيرة مكثفة تشبه الطلقات السريعة، تعكس حالة الحذر الدائم التي تعيشها الشخصيات، فلا أحد يثق بالآخر، وكل حركة مرصودة بعيون خفية. إنها هندسة دقيقة للمؤامرة، حيث يتم الانتقال من ردهات الفنادق الفاخرة إلى عتمة الكهوف والمخابئ السرية، مما يخلق توازناً بصرياً بين عالمين متناقضين يجمعهما الخوف والرغبة في الانتقام.

تتجلى القوة الدافعة للأحداث في الثنائيات المتصارعة، مثل ثنائية سام وطارق، حيث يحاول الأخير تقديم عرض للنجاة بينما يرفض الأول اليد الممدودة بغرور الواثق من أدواته. في هذه البيئة، تعمل أجهزة الأمن كظل ملتصق لا يمكن الفكاك منه، وتصل كفاءتها إلى 100% في رصد التحركات الميدانية، مما يضع الأبطال في مأزق أخلاقي وعملي دائم. ينتقل السرد بسلاسة بين مشاعر الغضب العارم التي تنتاب عباس السلامي وبين الهدوء البارد الذي يتسم به سام، مما يجعل القارئ أمام معادلة فيزيائية تتصادم فيها القوى لتوليد حركة درامية مستمرة. لا يترك الكاتب مجالاً للصدفة، فكل لقاء هو نتيجة ترتيب مسبق، وكل غياب هو مؤشر على خطر وشيك، وكأن الرواية معمل كيميائي تتفاعل فيه عناصر الشر والذكاء لتنتج واقعاً متفجراً.

يستثمر الحمراوي في تفاصيل الشخصيات الجانبية، مثل "علا" الذي يرتعد أمام زعيمه، ليوضح مدى تغلغل السلطة والترهيب في هذا المناخ المشحون. تبدو الخطة الأمنية محكمة لدرجة أن الزوج من المفترض ألا يكتشف حقيقة زوجته، مما يضيف بعداً من الدراما النفسية إلى جانب الإثارة البوليسية. إن الانتقام هنا ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو عملية حسابية باردة تتطلب صبراً طويلاً وقدرة فائقة على قراءة تعبيرات الوجه التي يحاول سام فك شفرتها في مواجهته مع طارق. ينتهي المطاف بالشخصيات وهي تحاول العبور إلى الأمان، في حين تظل خيوط اللعبة مشدودة بين القاهرة والإسكندرية والدار البيضاء، مما يمنح الرواية جغرافيا واسعة تعزز من شعور المطاردة العابرة للحدود. إنها رحلة في دهاليز النفس البشرية حين تضطر للمواجهة تحت ضغط المراقبة، حيث يتحول كل زقاق إلى فخ محتمل، وكل رسالة نصية قصيرة إلى طوق نجاة أو شهادة وفاة.