حواء تحت الهامش

الغربان تنتفض من أغصان الصمت، تترك خلفها صرخات تمزق الفضاء. ها هي "حورية" تركض، لا وجهة لها سوى الهروب من موت يرتسم في كل زاوية، موت تجسده بشر لا تعرف الإنسانية. الغابة القريبة من مراكش تحتضن هربها، لكن الأشجار العارية تشبه روحها، لا تقوى على التقاط أنفاسها المتسارعة. دموعها تنهمر بصمت، تضيع بين هدير قلبها واختناق صوتها. مساعدة بعيدة المنال في هذا الليل الموحش. "إيناس"، تلك التي تتجنب التقاء العيون، تجد نفسها أمام مستشار قانوني يمد لها ملفًا، أوراق تخص "سناء"، الهاربة من زوجها الذي يهددها بالقتل. تتذكر "إيناس" الهجوم الذي استهدف مركز إيواء الأمهات، حيث تلجأ هؤلاء النساء الهاربات بحثًا عن ملاذ. في درج خزانة السرير، بين ثنايا الزمن، رسالة من والدتها الميتة، كلمات تكشف عن ضعف قاتل، ضعف منع الأم من انتشال زوجها من بئر الرذيلة. اعتراف مؤلم بالتقصير، بالخوف من نظرة المجتمع الدونية للمرأة المطلقة، خوف دفعها للبقاء في جحيم زوجها المعذب. حواء تحت الهامش
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh61ddAlo9hGgPJF9t8kfX6Q6yCl-ntoow42GkYqzoaCBLPpC7WsalXlPK75cdLVZJY2iBx5aA1WdLITDYaWOz1CrBW3O7nX8A1d6_MIz6NqNwmj77yrwdFEikWaIyiyjonmqigsUzEXTZECuN6-ZNcJ6gU6QlEBPin6NMYC_W8-Ep9wCfsYnixAA54x4o/s320/369.jpg

الغربان تنتفض من أغصان الصمت، تترك خلفها صرخات تمزق الفضاء. ها هي "حورية" تركض، لا وجهة لها سوى الهروب من موت يرتسم في كل زاوية، موت تجسده بشر لا تعرف الإنسانية. الغابة القريبة من مراكش تحتضن هربها، لكن الأشجار العارية تشبه روحها، لا تقوى على التقاط أنفاسها المتسارعة. دموعها تنهمر بصمت، تضيع بين هدير قلبها واختناق صوتها. مساعدة بعيدة المنال في هذا الليل الموحش. "إيناس"، تلك التي تتجنب التقاء العيون، تجد نفسها أمام مستشار قانوني يمد لها ملفًا، أوراق تخص "سناء"، الهاربة من زوجها الذي يهددها بالقتل. تتذكر "إيناس" الهجوم الذي استهدف مركز إيواء الأمهات، حيث تلجأ هؤلاء النساء الهاربات بحثًا عن ملاذ. في درج خزانة السرير، بين ثنايا الزمن، رسالة من والدتها الميتة، كلمات تكشف عن ضعف قاتل، ضعف منع الأم من انتشال زوجها من بئر الرذيلة. اعتراف مؤلم بالتقصير، بالخوف من نظرة المجتمع الدونية للمرأة المطلقة، خوف دفعها للبقاء في جحيم زوجها المعذب.

حواء تحت الهامش نوفيلا 369 116 يناير 2020 yes 201091985809 أنيسة الشرامو كاتبة مغربية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgvT4mVCcgODn3uashvKnNDIOE_AoNvKJ2jj8d0vaJ0GyOmy58kX2uRK6xRCnBpm3s84141l-QtFpi31kQEq1i2sjHhKuegTTHc-FhfKONeXbC5gH3pfCZpND4qbpsqwN7APqnTUWCeai0t9SeIA2BZzfoFxtTAMAdJvwrhdQKPOyWMa1DSi8cBh4AQ2iA/s295/%D8%A3%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%88.jpg

في غابةٍ تلفّها ظلمةٌ كست وجهَ القمر، تاهت "حوريّة" من مدينة مراكش، يطاردها موتٌ تجسّد في بشرٍ فقدوا إنسانيتهم. استندت إلى جذع شجرةٍ جرداء، ينافسُ بكاءٌ مكتومٌ أنفاسها المتسارعة. صوتُ لهثٍ قويٍّ وصرخاتٌ تمزّق السكون، حاصرتها، لكنّها لم تجد ملجأً في هذا الليل الموحش.

بعيداً عن غابات مراكش، في صخب القاهرة، تنتشلُ الطرقات على باب مكتبها "إيناس" من شاردةٍ عميقة. "المهدي"، مستشارها القانوني، يطلّ بوقفته الطويلة، وعيناه الكحيلتان تستفسران عن سرّ جمودها. يسلمها ملفاً أزرق، أوراقٌ قانونية تخصّ انتقال "سناء" إلى مركز إيواء آخر، هرباً من زوجٍ هدّد حياتها. يتذكّر "المهدي" كيف أن الهجوم كان من زوج "سناء" نفسها، إحدى المقيمات في مركز "ضدّ الأمهات"، الذي يحتضن الأمهات العازبات، والأطفال، والمطلقات، والزوجات المعنّفات. تتكفل الجمعية بتعليمهنّ وتأهيلهنّ ليعتمدن على أنفسهن.

على الجانب الآخر، حيث تتساقط دموعٌ يتيمة على خدّ "إيناس"، تتكشف أسرار الماضي. تنتشل من درج الخزانة رسالةٌ أخيرة تركتها والدتها قبل موتها. أُعطيت إيناس الفرصة لقراءة سطورها البطيئة، كاشفةً عن ضعفٍ أموميٍّ منع الأم من انتشال زوجها من مستنقع رفقة السوء والخمر. تصف الأم كيف تغيّر الزوج فجأة، وكيف ساهم ضعفها وصمتها في تفاقم الأزمة. "كلانا مخطئ، وكلانا يدفع الثمن"، هكذا كتبت الأم، معترفةً بأن خوفها من نظرة المجتمع الدونية للمرأة المطلقة جعلها تختار العيش في جحيم زوجها المعنّف، بدلاً من مواجهة نظرة المجتمع القاسية.

تكشف القصة تدريجياً عن شبكةٍ معقّدة من الهروب، والعنف، والبحث عن الأمان. "حوريّة" تجد نفسها وسط هذه الدوامة، تبحث عن هويتها في بلدٍ يضعها على الهامش. "إيناس" تجسد صراع النسوة اللاتي يحاولن كسر قيود الماضي، وتجاوز جراحهنّ. "سناء" تمثل نموذجاً للزوجة المعنّفة التي تجد في مراكز الإيواء فرصةً ثانية للحياة.

الرواية تنبش في أعماق النفس البشرية، تصوّر هشاشتها وقوتها في آنٍ واحد. تتساءل عن معنى الهوية، وعن الثمن الذي تدفعه النساء جراء الأعراف الاجتماعية القاسية. تتغنى بجمال اللغة، وتستعير من الطبيعة ومن عوالم الأدب والفن صوراً تعكس عمق المشاعر. كأنّ أوراق الرواية مرايا تعكس مشاعر مبعثرة، تتجمع لتشكل صورةً واضحة لمأساةٍ تتكرر، لكنها تحمل في طياتها بذرة أملٍ في الخلاص. لا تقدم الرواية حلولاً جاهزة، بل تترك للقارئ مساحة التأمل، والتفكير، والشعور. إنها قصةٌ تكتب بلغةٍ موسيقيّة، تتسلل إلى الروح قبل أن تصل إلى العقل، لتترك أثراً لا يُمحى، كوشمٍ على جلد الذاكرة.