أرض الأحلام

ليلٌ مطير، رعدٌ بارد، وفتىٌ على سريره يتقلب. النوم يفر منه مذعورًا، يرتجف، يتصبب عرقًا، يطارده رعبٌ شديد. صوت امرأةٍ في الفضاء، تحمل أجنحة سوداء كأنها الغراب، تغرق في نومه المنقطع. ثوبها الأسود يصبغ مياه البحر بلونٍ مخيف، مستنقعٌ عميق لا حياة فيه. تقترب لتضمه، شكلها، وجهها، رائحة أنفاسها تزيده هلعًا. يستيقظ، يأخذ نفسًا عميقًا، يغادر فراشه. فنجان قهوة، غطاء صوفي، وجلسة على كنبة، يلفه خيالٌ بعيد. هل يجد تفسيرًا لهذا الكابوس؟ إنها الليلة الأخيرة له في هذه الغرفة. غدًا، سيغادر على متن قاربٍ عند الفجر، متوجهًا إلى إسبانيا، تاركًا طنجة خلفه. مرت شهورٌ وأعوام دون خبرٍ عن حوريته، التي استقرت في مدريد. لا بد من الرحيل، لا بد من البوح بالعشق المكتوم في أشعارٍ وخواطر. أرض الأحلام
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiEKWkFS58DQp94pcd389Iir6um47Vsf4zzADNY2n3UgSLUbPupcpDFbcWx1YNiu92MKhrQHmh37pbgbjBSDoMOoBPXKEZWIDbkhOdnvrZLad0fDBhhuWUDAxhN4NWjgEnDj23U5yjLpbQYXTyGcszLoe29oz3KPtd7PLXw-Hw3HGv5X3-Ewe4ADaVfSew/s320/280.jpg

ليلٌ مطير، رعدٌ بارد، وفتىٌ على سريره يتقلب. النوم يفر منه مذعورًا، يرتجف، يتصبب عرقًا، يطارده رعبٌ شديد. صوت امرأةٍ في الفضاء، تحمل أجنحة سوداء كأنها الغراب، تغرق في نومه المنقطع. ثوبها الأسود يصبغ مياه البحر بلونٍ مخيف، مستنقعٌ عميق لا حياة فيه. تقترب لتضمه، شكلها، وجهها، رائحة أنفاسها تزيده هلعًا. يستيقظ، يأخذ نفسًا عميقًا، يغادر فراشه. فنجان قهوة، غطاء صوفي، وجلسة على كنبة، يلفه خيالٌ بعيد. هل يجد تفسيرًا لهذا الكابوس؟ إنها الليلة الأخيرة له في هذه الغرفة. غدًا، سيغادر على متن قاربٍ عند الفجر، متوجهًا إلى إسبانيا، تاركًا طنجة خلفه. مرت شهورٌ وأعوام دون خبرٍ عن حوريته، التي استقرت في مدريد. لا بد من الرحيل، لا بد من البوح بالعشق المكتوم في أشعارٍ وخواطر.

أرض الأحلام خواطر 280 52 سبتمبر 2019 yes 201091985809 آمال الإدريسي كاتبة مغربية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhrxKHKwAI_Yk92ksISnO4-GvW-EqKn4Rj0vmS6CvN95sXECiD_pw68xs_7aDrzbi9SO56Pkcx2Zl3gPjkLJff9aYwPWuS_AsT5RMFmgzzv60WGB47-P3kU5H5ssffR-3EsB1yOUgWosS5xyc9hidipK4ez3ReVipSMr29FY7miSLe9P6PMEJt6WkrqBcM/s800/%D8%A2%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%B3%D9%8A.jpg

ذاكرة الإنسان ليست سوى مخزنٍ للأطياف التي تأبى الأفول، وفي كتاب "أرض الأحلام" للكاتبة آمال الإدريسي، نجد أنفسنا أمام نصٍّ ينسج من الخواطر والذكريات بساطاً سحرياً يمتد بين ضفتي المتوسط، حيث تتقاطع الأقدار وتتشابك الرؤى في فضاء وجداني رحب. تبدأ الحكاية من قلق وسادةٍ في ليلة عاصفة، حيث يغالب البطل "يحيى" كوابيسه التي تتجسد في صورة امرأة بجناحي غراب، في استعارة بصرية توحي بثقل الهواجس التي تسبق الرحيل المرتقب. إنه الاغتراب الذي يسكن الروح قبل أن يطأ الجسد أرض المنافي، فالبحث عن "حورية" ليس مجرد رحلة وراء امرأة غائبة في مدريد، بل هو سعيٌ لاستعادة نصف الذات المفقود تحت ركام السنين والمسافات. إن يحيى يمثل تلك التراجيديا الإنسانية التي تدفع بالمرء نحو البحر فجراً، حاملاً بين ثنايا كتبه قصائد وخواطر لم تكن سوى شهادة ميلاد لعشقٍ يرفض الموت خلف الحدود.

تنتقل بنا آمال الإدريسي، بليونة سردية تشبه انسياب العطر في أزقة طنجة القديمة، من كوابيس الغربة إلى دفء الذاكرة الجمعية في احتفاليات المولد النبوي الشريف. هنا يستحضر النص مشهد "التبشير" داخل الزاوية التيجانية، حيث تتحول الدار إلى خلية نحل تسودها رائحة الكسكس بالدجاج والبصل والزبيب، وتتزين الجدران بالمصابيح الملونة التي تعكس بهجة الروح الصوفية. هذا المشهد لا يهدف لسرد عادات اجتماعية فحسب، بل هو استحضار لمفهوم "الزمن الجميل" الذي تفتقده الروح في لحظات انكسارها الحالية. وفي هذا السياق، تبرز صورة الجدة الحاجة فاطمة كحارسة للتراث والسكينة، وهي تستقبل النسوة محملات بقوالب السكر وعلب الشاي، في طقس اجتماعي يتجاوز المادة إلى جوهر المودة الإنسانية. وكما يقول الفيلسوف غاستون باشلار إن "البيت هو ركننا في العالم"، فإن الكاتبة تعيد بناء هذا الركن عبر كلمات تنبض بالحنين، محاولةً ترميم تصدعات الحاضر بجماليات الماضي البعيد.

الإيقاع الزمني في النص يتأرجح بين يقظةٍ قاسية وحلمٍ رحيم، حيث تصحو الساردة على لمسة باردة من ابنها لكتشف أن رحلتها إلى طنجة القديمة لم تكن سوى غفوة قصيرة تخللها حنينٌ جارف. إن "أرض الأحلام" ليست بقعة جغرافية نصل إليها بقارب أو تأشيرة، بل هي حالة شعورية تكتمل حين نكسر أغلال الصمت ونبوح بما في "حنايا الروح". الكتاب في جوهره صرخة ضد النسيان، ومحاولة لتدوين تلك اللحظات الهاربة التي تشكل هويتنا الحقيقية بعيداً عن أرقام الإيداع وتصنيفات دور النشر. تنساب الخواطر لتؤكد أن الكتابة هي القارب الوحيد الذي لا يغرق في بحر الزمان، وأن كل كلمة يخطها الكاتب هي رسالة في زجاجة يلقي بها إلى قارئ مجهول، لعلها تجد مستقراً في قلبٍ يشبه قلبه. وفي نهاية تلك الرحلة الورقية، يكتشف القارئ أن الوجع الإنساني واحد، سواء كان خلف مقود قارب يصارع الأمواج نحو إسبانيا، أو خلف نافذة في طنجة تراقب النجوم وهي تدنو من الأرض في ليلة ذكرٍ وتهليل. الدرس لا يكمن في الوصول، بل في تلك الارتعاشة التي تصيب اليد وهي تكتب، وفي ذلك الشوق الذي يجعل الذاكرة وطناً بديلاً حين تضيق بنا الأرض وتتحول الأحلام إلى طيور سوداء تطاردنا في المنام.