كوبري الأحلام

جسر لا يصل إلى مكان، بل إلى حياة أخرى. محمد عبد النعيم يمدّ أمامنا كوبري الأحلام، فلا يتركنا على الضفة الأخرى، بل يوقفنا في وسطه لنرى بعينيه ما يراه: عجوزاً يحلم بجنة من نساء وهميات، وأماً تنتظر ابنها الغائب حتى تذوي، وشاباً يظن أن الشهادة مفتاح كل شيء فيكتشف أن الدنيا تحتاج إلى مفاتيح أخرى. هذه المجموعة القصصية لا تروي حكايات، بل تشريح للواقع المصري في أدق تفاصيله؛ من سطوة العادات إلى وهن الأحلام، ومن عنف الفقر إلى خفوت الأمل. كل قصة هنا نافذة تطل على حياة منسية، وكل شخصية تحمل في جوفها صرخة مكتومة. إنها رحلة إلى أعماق الريف المصري، حيث الأحلام كالجسور المعلقة بين اليقظة والمنام. كوبري الأحلام
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhvZLXOn9kfV5nQ-VklUnYWq6DxCp3hcbn-mKck9Vq2jkSNe4ZfOfvebrQTT2iqciHlRFO91DfypK-bGVYNe7ZLXWyUNecMkgdm_kf0Xn76GXX-Apcxp5pEszUD3pZIWwzhQuIBiJZAGCYg-iGWf7YE1Qvhfb3pRKjaqdYe-CkcI0d22ccQ_QuGdlT8lQI/s320/605.jpg

جسر لا يصل إلى مكان، بل إلى حياة أخرى. محمد عبد النعيم يمدّ أمامنا كوبري الأحلام، فلا يتركنا على الضفة الأخرى، بل يوقفنا في وسطه لنرى بعينيه ما يراه: عجوزاً يحلم بجنة من نساء وهميات، وأماً تنتظر ابنها الغائب حتى تذوي، وشاباً يظن أن الشهادة مفتاح كل شيء فيكتشف أن الدنيا تحتاج إلى مفاتيح أخرى. هذه المجموعة القصصية لا تروي حكايات، بل تشريح للواقع المصري في أدق تفاصيله؛ من سطوة العادات إلى وهن الأحلام، ومن عنف الفقر إلى خفوت الأمل. كل قصة هنا نافذة تطل على حياة منسية، وكل شخصية تحمل في جوفها صرخة مكتومة. إنها رحلة إلى أعماق الريف المصري، حيث الأحلام كالجسور المعلقة بين اليقظة والمنام.

كوبري الأحلام مجموعة قصصية 605 208 سبتمبر 2021 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiFpSGCRF5FRD86cfUBPFw29N3xSw-KpkC623ccGWdASm4NKqfQyhIzAHMxioC338s-3lv1SnfsZwNDr3pGPecYyYeUBNfpW4MeQ25sXiAVDB1JAG2o_tb9qeTQGEJ4gVXsYSAKnBWjSo7OnOjG6W73Rrt1ukBUnz7VTUxUpyR-v0wqj56m8d1fCvvj3zA/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

يأخذنا محمد عبد النعيم في مجموعته القصصية "كوبري الأحلام" في جولة داخل النسيج الاجتماعي المصري، وبالتحديد في فضاء الريف الذي يبدو هادئاً لكنه يعج بالصراعات الخفية والأحلام المبعثرة. العنوان نفسه يحمل إيحاءً مزدوجاً؛ فالكوبري هنا ليس مجرد بناء خرساني، بل مساحة وجودية يقف عليها الإنسان بين أرض الواقع الفقير وسماء الحلم البعيدة. من خلال عشرات النصوص القصصية المكثفة، يرسم الكاتب لوحات متجاورة عن حياة البسطاء، أولئك الذين يملكون أحلاماً كبيرة لكن أيديهم قصيرة عن مدها.

تبدأ القصة الأولى مع محمد عي، ذلك الشاب المتعلم الذي يرفض أن يحمل فأساً كأبيه الفلاح، فيجلس على كوبري القرية ينتظر قدره كمن ينتظر قطاراً لا يأتي. تبدو هذه الشخصية نموذجاً لكثيرين في الواقع المصري، حيث تتعارض الشهادة مع متطلبات الحياة، ويصبح التردد بين الماضي والمستقبل حالة دائمة. غير أن الكاتب لا يكتفي بهذه الصورة، بل يمضي ليرسم تنويعات أخرى على ذات اللحن؛ فهناك فرج الأعرج الذي يحلم بجسد سليم وبجارة تغازله من خلف الشباك، وهناك الأم التي تنتظر ابنها المغترب حتى كادت تتحول إلى تمثال من الحزن، وهناك ليلى التي تكرر مأساة أمها مع الرجل الذي يظنها عاقراً وهو العاجز.

يتقن عبد النعيم تقنية المونولوج الداخلي، حتى أن كثيراً من قصصه تبدو وكأنها اعترافات خاصة تتدفق دون رقيب. فالراوي غالباً ما يكون ضمير المتكلم، أو راوياً عليماً يقترب من وعي الشخصيات لدرجة التماهي. هذا الأسلوب يمنح النصوص دفقة عاطفية عالية، خصوصاً في قصص مثل "دروب الصبر" و"تلك المرأة" حيث تتحول المعاناة الأنثوية من مجرد رثاء إلى احتجاج صامت على ظروف اجتماعية تكرس التهميش. غير أن الكاتب لا يغرق في البكائية، بل يخلق مسافات للسخرية المريرة كما في قصة "الرجل ليس رجلاً"، حيث يتحول العجز الجنسي إلى لعبة قوة وسلطة.

من ناحية البناء الفني، تتنوع القصص بين الطول والقصر، لكن القاسم المشترك هو الكثافة اللغوية والصور الحسية الطاغية. يصف عبد النعيم الأمكنة بدقة المخرج السينمائي؛ فبيوت الريف الطينية، وشوارع العمدة الضيقة، وحجرات النوم المزدحمة بالحشرات والذكريات، كلها تخرج إلى النص كشخصيات موازية. كما أنه يبرع في تصوير التفاصيل الصغيرة التي تحمل دلالات كبيرة؛ كقبضة الأم على ابنها خوفاً من الموت الغامض، أو عصا الأعمى التي لا تعينه إلا على الاصطدام بالواقع، أو ريشة الطاووس الأبيض التي تتحول إلى وسادة خالية بعد انتظار طويل.

أما الشخصيات، فهي في معظمها من المهمشين؛ عجائز، معوقون، أطفال، نساء مهجورات، مغتربون عائدون بخيبة. لكن هذا التهميش لا يمنحهم صفة الضحك، بل يجعلهم أبطالاً في معاركهم اليومية الصغيرة. إنهم لا يغيرون العالم، لكنهم يحاولون أن يبقوا فيه بأقل الخسائر. والحب في هذه القصص ليس مجرد عاطفة رومانسية، بل وسيلة للنجاة أو أداة للسيطرة، كما في قصة "رسول الغرام" التي تتشابك فيها المشاعر بين الصداقة والحب والخيانة الصغيرة.

يُظهر الكاتب وعياً نقدياً بالتحولات الاجتماعية التي طرأت على الريف المصري؛ من هجرة الشباب إلى الخليج، إلى تغير مفهوم القيمة من الأرض إلى المال، إلى سقوط هيبة المعلم والشيخ في مواجهة قوانين السوق. لكنه لا يقدم حلولاً، بل يكتفي بالرصد والتسجيل، وكأنه يقول إن الأحلام رغم هشاشتها تبقى ضرورية، وإن الكوبري قد لا يوصل إلى مكان، لكنه على الأقل يمنح من يقف عليه إطلالة مختلفة على الحياة. وهكذا، تظل هذه المجموعة القصصية مرآة صادقة لعالم يصر على الحلم رغم كل شيء.