لا تفتح القبو في كرمتي

هناك داخل كل واحد منا قبو مظلم، مستودع للذكريات التي دفناها بأيدينا، وحطام الأحداث التي رفضنا مواجهتها. في مجموعتها الشعرية "لا تفتح القبو في كرمتي"، تفتح آمنة مصطفى حسن ذلك الباب المؤصَد، لا لتُخرج منه الألم فحسب، بل لتُخضعَه للنور. تقف الشاعرة على حافة الذات، حيث يختلط الصمت بالصراخ، والانكسار بالتمرّد، والغربة بالانتماء إلى عالم يتشكّل بين الأسطر. ليست القصائد هنا مجرد نصوص، بل بوابات إلى مناطق لا يصلها وعي اليقظة: حيث يتحوّل الصمت إلى كائن يحاور، وحيث يصبح القبو رمزاً لكل ما نخفيه عن الآخرين وعن أنفسنا. بأسلوب يتنقل بسلاسة بين التفعيلة والنثر، بين الومضة والتأمل الطويل، تصوغ الشاعرة رحلة البحث عن الذات في زمنٍ يزدحم بالضجيج الداخلي. "لا تفتح القبو في كرمتي" ليست دعوة للانهيار، بل تمرين شاق على الشجاعة التي تتطلبها المواجهة، حين تدرك أن ما دُفن لا يموت، وأن الأسئلة المعلّقة تنتظر من يجرؤ على طرحها من جديد. لا تفتح القبو في كرمتي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg3zxoqTGW46Hs6_4TkB_5mK90le2oiI57p7uq5EYx24MYXKhQOuLa4cn9MA0ct3Tztt9xUN0c38sql_UjJ7xznXuljkA0xX5XqG8PFlqNBfDWFnnbp8O5isK_PY0S3qxoV6FDq5vfNjtLlzSG5a4g1wDj6mE9AXXwRrTfvXiTN5Pbeh5IVlXIuMAOKvb0/s320/622.jpg

هناك داخل كل واحد منا قبو مظلم، مستودع للذكريات التي دفناها بأيدينا، وحطام الأحداث التي رفضنا مواجهتها. في مجموعتها الشعرية "لا تفتح القبو في كرمتي"، تفتح آمنة مصطفى حسن ذلك الباب المؤصَد، لا لتُخرج منه الألم فحسب، بل لتُخضعَه للنور. تقف الشاعرة على حافة الذات، حيث يختلط الصمت بالصراخ، والانكسار بالتمرّد، والغربة بالانتماء إلى عالم يتشكّل بين الأسطر. ليست القصائد هنا مجرد نصوص، بل بوابات إلى مناطق لا يصلها وعي اليقظة: حيث يتحوّل الصمت إلى كائن يحاور، وحيث يصبح القبو رمزاً لكل ما نخفيه عن الآخرين وعن أنفسنا. بأسلوب يتنقل بسلاسة بين التفعيلة والنثر، بين الومضة والتأمل الطويل، تصوغ الشاعرة رحلة البحث عن الذات في زمنٍ يزدحم بالضجيج الداخلي. "لا تفتح القبو في كرمتي" ليست دعوة للانهيار، بل تمرين شاق على الشجاعة التي تتطلبها المواجهة، حين تدرك أن ما دُفن لا يموت، وأن الأسئلة المعلّقة تنتظر من يجرؤ على طرحها من جديد.

لا تفتح القبو في كرمتي شعر 622 72 نوفمبر 2021 yes 201091985809 آمنة مصطفى حسن كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjlFrrLfu0987fMT0rjxb6Xsys2yRH6DdMcWl9Ss9FNeLqilaz5Q1r_6k0jWcnmVU-k2PHNG0gPL-xtIy95mdHNsa1sy9XTb8DAISAkbzjps3crwJtgBwfG2_HBqgN_vY27UKqJdm4AKKJ_lAn7aVvTjuu9NgcPWtxVXbc7d_6AJQ4Dt-cFYsi4iLOOuoQ/s295/%D8%AF.-%D8%A2%D9%85%D9%86%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%AD%D8%B3%D9%86.jpg

تحمل المجموعة الشعرية "لا تفتح القبو في كرمتي" للشاعرة آمنة مصطفى حسن عنواناً يعمل كحافز وباعث على التساؤل، إذ يتشكل من جملة أمرية تنهى عن فتح القبو، وهو ما يفترض مسبقاً وجود رغبة في الفتح، ونوعاً من الجذب الذي يدفع القارئ نحو استكشاف ما في ذلك القبو. وهكذا تضعنا الشاعرة منذ اللحظة الأولى أمام تناقضٍ يتحكم في بنية المجموعة كلها، بين الخوف من المواجهة والرغبة في الكشف، بين إرادة الدفن وحتمية البزوغ.

تتوزع القصائد على محاور عدة تتقاطع وتتداخل، غير أن الخيط الناظم لها يظل هو علاقة الذات بذاتها في زمنٍ تتصاعد فيه وتيرة الضجيج الخارجي إلى درجة تجعل الصوت الداخلي بالكاد مسموعاً. تفتتح الشاعرة بمقدمة نثرية تضع القارئ في قلب مشروعها، حين تصف الجزء الخفي في النفس البشرية الذي لا يجيد التعبير عن نفسه، وتتحدث عن الضغط الذي يولّد الحاجة إلى الانفجار. ثم تنطلق في قصيدة "الشعر" لتؤسس لفعل الكتابة باعتباره لحظةً مشحونة، لا تأتي هكذا بمجرد الإرادة، بل هي أشبه بوميض البرق أو الرعد العاتي. ومن ثمَّ، تنتقل إلى أسئلة أعمق، إذ تطرح قصيدة "يا أيها هذا الصمت" سؤالاً وجودياً حول ذلك الصمت الذي يلفّ الحياة ويحاصر الأمل، وكأنه كائنٌ متوحش يبتلع كل محاولات النطق.

تأتي القصيدة التي تحمل عنوان المجموعة نفسها، لتضرب في عمق رمزية القبو بوصفه مستودع الذكريات المنسية، حيث "تابوت ذكر مرمري" و"رموز فكر غامض" لم يفك شفرتها أحد. وهنا تكمن براعة الشاعرة في توظيف القبو كاستعارة للذات التي ترفض التفتح، وخريطة أولى تجمع بين الهوية والذاكرة. غير أن القصائد اللاحقة لا تكتفي بالوصف، بل تنخرط في تفكيك آليات هذا الدفن، وتبحث في أسبابه: العادات التي صارت قرآناً مقدساً لا يُناقش، والجبروت الذي يفرض على الفرد أن يكون مبرمجاً بين السطور، وأن يجيد العزف على طبول القهر. من هنا تظهر مفردات التمرّد، كما في قصيدة "القطار" التي ترصد حركةً عمياء نحو المجهول، حيث يسير الجميع في عتمة لا تنتهي، والكل يمارس صمته ولا أحد يبادر بالاستفاقة.

تواصل الشاعرة رحلتها في أعماق الذاكرة، فتغوص في مشهدية الطفولة والجذور، كقصيدة "في الطريق" التي ترصد لحظة الموت في عينَي طفلة، وتجمد الحواس أمام ذلك المشهد. هذا النوع من الاستدعاء يعيد تشكيل علاقة الشاعرة بالزمن، فلم تعد الذكريات مجرد أطلال، بل صارت مادة قابلة للصياغة والتفكيك. وتظهر قصائد مثل "غربتي" و"قلب من الألماس" لتعكس حالة الصراع بين الرغبة في التحصّن والهشاشة الداخلية، بين التوق إلى القلب القاسي الذي لا يتألم، والاعتراف بأن الألم جزء من الحياة، وأن الانغلاق على الذات ليس حلاً، بل هو استمرار لعملية الدفن ذاتها.

يتخذ القسم الثاني من المجموعة منحى آخر، حين تتحول القصائد إلى مراسلات ومساجلات مع الآخر، حيث الشاعرة تحاور "هو" بوصفه حضوراً غائباً، مرآةً وضدّاً في آن. تظهر هنا إشارات إلى "توأم الشعلة"، وحديث الأزل الذي ينقلب، حيث تصبح هي المتحدثة وهو الصامت، وهي الأكثر وعياً ونضجاً. قصيدة "أحبّك" تستلهم بلاغة التصريح العاطفي، لكنها لا تغفل عن المفارقات؛ لأن الحب هنا ليس مجرد وجدان، بل اختبار قاسٍ للذات، وطريق صقل وتهذيب يمرّ عبر الترحال بين البعد والقرب. وفي السياق نفسه، تعالج الشاعرة دوامة التردّد وعدم اليقين، ففي قصيدة "لست أدري" يصرّ الطرف الآخر على ادعاء الجهل، بينما تعرفه هي جيداً، وكأن العالقة نفسها تصبح ميداناً للصراع بين الرغبة في الوضوح والهروب منه.

ثم تأتي القصائد التي تتحدث عن الانكسار الجماعي، بوصفه امتداداً للانكسار الفردي، حيث تشير إلى "أحفادنا ضاعوا" و"يا لوعة التاريخ" في نقدٍ صريح لحالة الضياع التي تطال الأمة، لا بوصفها خطاباً مباشراً، بل عبر تشكيل صوري يوظف التراث والذاكرة الجمعية. تقف الشاعرة على أطلال التاريخ وتتساءل عن الميراث الحقيقي الذي تلقته الأجيال، فتجد نفسها أمام إرث من الألم والإحباط، حيث تحلّ الوثنية الجديدة محل الروح، وتُصنع الأوثان من جديد. في هذا السياق، تبدو صورة "طائر الحرية" وكأنها مناقضة للواقع الأليم، فهي طائرٌ يبحث عن أراضيه ومفاتيحه، لكنه في النهاية لا يجد سوى البوابة المغلقة والذكرى الأيقونية.

تصل المجموعة إلى ذروتها في القصائد الأخيرة، حيث يتجلّى الإعلان عن الرحيل، ليس بوصفه هروباً، بل بحثاً عن الذات في بحار النور. تغدو الشاعرة في "آل الرحيل" صقراً يحلق في سماء الحق، يطلب الخلاص من ضجيج الزيف ومتاهات الأرض، فتتضافر صور الطيور والفراشات والنور في نسيج شعري يوحي بأن التحرر ممكن، لكن ثمنه المواجهة. هنا أيضاً تعود رمزية القبو، تلك المرة في "يا ضالتي المنشودة"، لكنها تتحوّل من سجن إلى كنز، من قبر إلى قنديل سعادة، حين تدرك الشاعرة أن ما ظنته مدفوناً هو ذاتها التي تنتظر الاستيقاظ. تكتب في الختام قصيدة "على شط الخليج" لتغلق الدائرة حيث بدأت، عائدة إلى الرمال البيضاء التي علمتها كيف تُكتب القصيدة، كاشفة أن العودة إلى الجذور ليست استسلاماً، بل هي إعادة تعريف للهوية.

أسلوب الشاعرة يتنوّع بين التفعيلة والنثر، لكنه يحافظ على كثافة موحية، يميل إلى الصور الطيفية والرموز المائية والجوية التي تمنح النصوص إحساساً بالانسياب والحركة الدائرية. الحضور الصوفي خفيف لكنه مؤثر، خصوصاً في مناجاة الشاعرة لربها، حيث يختلط التوسّل بالغضب الناعم. غير أن أكثر ما يلفت في المجموعة هو قدرتها على المزج بين الخاص والعام، بحيث لا تظل التجربة حبيسة الذات، ولا تتحول إلى خطاب مفتعل. إنها رحلة داخل القبو، لكن لا لكي ننكفئ، بل لكي نستعيد الخريطة، ونخرج منها ببصيرة جديدة، كما تقول الشاعرة: "فتحت القبو فإذا بصديقتي التي ظننتها ضائعة، هي أنا".