قبة الحياة

رقتْ شفتا أمي أول كلمةٍ نطقتها، وهداني دربُ أول مكتبةٍ قرأتُ فيها. صارتْ أيامي الآن اثنتين وثلاثين، تتقاذفني أمواجُ الحياةِ كغيري من شبابِ هذا الزمن. حملتُ على عاتقي مسؤوليةَ أسرةٍ وعمل، لكنْ كلما استحضرتُ طيفَها، اشتقتُ لكوبِ حليبٍ دافئٍ من يدها، لقبلةِ مكافأةٍ على نجمةٍ في كشفِ الرياضيات، وللهروبِ من عينَيها عندَ امتحانِ الإنجليزية. أشتاقُ إليها اليومَ أكثرَ من أمس، كشوقِ الطفلِ لأمه، وكشوقِ الليلِ للنهار. كتبتُ لها عمري، وما سأكتب. مصرُ، أرضُ الكفاحِ والخيال، يتربعُ فيها عالمٌ مصريٌّ يصارعُ احتكارَ "طيورِ الظلامِ" لتقنيةٍ تخترقُ جدرانَ الحرائق. لم يكنْ هدفُه نوبل، بل حبُّ البشرِ وتقديرُهم، بعدَ أنْ صدَّ حفنةَ تجارِ الدم. ظنَّ البعضُ أنَّ هذهِ العصاباتِ قادرةٌ على هزيمةِ العزيمةِ المصرية، لكنَّهم أخطأوا. أدركَ هؤلاءِ بصنعتهم المدمِّرةِ أنَّ أعتى أسلحتهم ستُخفقُ أمامَ إرادةٍ تتحدَّى. قبة الحياة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgqoK44dRO9UD0yyPHFrOjaAzUkZCXh_2cuWfw163fvWoSs9YHTrz61EiHdztwoPpj6a0DXwBNKfrYTeMgH9oQgxHO43RXRwoBZ5WWJmiVTcmZCrd_wB6dak3hStsjJ6tSldjwykNKbqoVODDbAK_Px52toGROis8xsF_F5R4aNuyFVTE8tPDzV4zQEPCo/s320/307.jpg

رقتْ شفتا أمي أول كلمةٍ نطقتها، وهداني دربُ أول مكتبةٍ قرأتُ فيها. صارتْ أيامي الآن اثنتين وثلاثين، تتقاذفني أمواجُ الحياةِ كغيري من شبابِ هذا الزمن. حملتُ على عاتقي مسؤوليةَ أسرةٍ وعمل، لكنْ كلما استحضرتُ طيفَها، اشتقتُ لكوبِ حليبٍ دافئٍ من يدها، لقبلةِ مكافأةٍ على نجمةٍ في كشفِ الرياضيات، وللهروبِ من عينَيها عندَ امتحانِ الإنجليزية. أشتاقُ إليها اليومَ أكثرَ من أمس، كشوقِ الطفلِ لأمه، وكشوقِ الليلِ للنهار. كتبتُ لها عمري، وما سأكتب.

مصرُ، أرضُ الكفاحِ والخيال، يتربعُ فيها عالمٌ مصريٌّ يصارعُ احتكارَ "طيورِ الظلامِ" لتقنيةٍ تخترقُ جدرانَ الحرائق. لم يكنْ هدفُه نوبل، بل حبُّ البشرِ وتقديرُهم، بعدَ أنْ صدَّ حفنةَ تجارِ الدم. ظنَّ البعضُ أنَّ هذهِ العصاباتِ قادرةٌ على هزيمةِ العزيمةِ المصرية، لكنَّهم أخطأوا. أدركَ هؤلاءِ بصنعتهم المدمِّرةِ أنَّ أعتى أسلحتهم ستُخفقُ أمامَ إرادةٍ تتحدَّى.

قبة الحياة رواية 307 116 أكتوبر 2019 yes 201091985809 أحمد صبري كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhQbeiy7RUDfLLOg8Z9h7VXsYZKyq2NX0GZsEWWcBaFfMaYAWaTfkvaAqELxEiqf42HUoKi19yRPRMg0AFS7AFCGHkW52ofn_B8ewwQJR_nepiqankl6OXeDdlZ4HZAUnlOx2h3mB0U8EC-zuAA2thFofxv1Se1hT9DatzTEJpoWKRk3vMXL4KBR0J4I4o/s295/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B5%D8%A8%D8%B1%D9%8A.jpg

عزت، العالم الذي لم تسحره بروق "نوبل" بقدر ما اجتذبته أنات المحتاجين، يقف شامخاً في وجه عواصف الطمع التي تحركها خفافيش الدم وأساطير التكنولوجيا. صاغ هذا الرجل من معادن صبره مادة "القبة"، ذلك الاختراع العبقري الذي لا يحمي الجسد من لظى النيران فحسب، بل ينسج غلافاً من الأمان فوق رؤوس الضعفاء. لم تكن القبة مجرد مركب كيميائي أو درع مادي، بل كانت صلاة من عالم مصري أراد أن يعيد للإنسانية حقها المسلوب في الحماية، رافضاً أن تُباع أرواح الفقراء في مزادات الشركات العالمية التي قدمت له مئة مليون دولار مقابل صمته وتنازله. يذكرنا هذا النزاع الأخلاقي الشرس بمقولة "فيودور دوستويفسكي" إن "الألم والمعاناة لا غنى عنهما لذكاء واسع وقلب عميق"، فقد اختار عزت الضنك والنزاهة على الترف الملطخ بدم الاستغلال.

نهى، الزوجة التي تحولت أحلامها إلى أنياب، لم ترَ في اختراع زوجها سوى أرقام فلكية وودائع بنكية تضمن لها حياة مخملية بعيدة عن "قرف" الكفاح. أصبحت جدران البيت تضج بمشاحنات لا تهدأ، حيث تقف الشعارات الإنسانية لعزت في مواجهة الرغبات المادية لنهى، التي بلغت حد استخدام حبوب منع الحمل كوسيلة ضغط ومساومة. 

هي لا تريد طفلاً يولد في "عشة" باحث، بل تريد رصيداً ينمو في ظل العقود المليونية، مما خلق فجوة سحيقة بين روح تحلق في آفاق الإنقاذ البشري، ونفس غارقة في مستنقع الاستهلاك. هذا التضاد هو الوقود الذي حرك مأساة الرواية، محولاً السكن السكينة إلى ساحة حرب باردة انتهت بتمزق النسيج العائلي قبل أن تفتك به القوى الخارجية.

الخطر لم يكتفِ بالتهديدات الشفهية، بل تجسد في "جيم" ورجاله، تلك المنظمة التي لا تعترف بالحدود الأخلاقية حين تتعارض مع مصالحها الاحتكارية. تحولت شوارع القاهرة وأزقتها إلى مسرح لعمليات استخباراتية وعسكرية، حيث يطارد الموت "عزت" في كل خطوة، محاولاً انتزاع سر القبة بالقوة بعد فشل سلاح المال. 

في مشهد سينمائي مروع، تداخلت أصوات الرصاص بصرخات الطفولة، حين وجد عزت نفسه مضطراً لخوض معركة غير متكافئة لحماية ابنته "حياة" وزوجته التي أدركت متأخرة أن اللعب مع الذئاب لا ينتهي بسلام. لم يكن الرصاص الذي اخترق الأجساد هو الأقسى، بل كان شعور الغدر الذي يسكن خلف كل عرض تجاري مشبوه، مما جعل من القبة رمزاً للمقاومة الفردية في وجه نظام عالمي متوحش.

نهاية نهى كانت تراجيدية بامتياز، حيث وقفت دفاعاً عن ابنتها في لحظة يقظة ضمير متأخرة، لتسقط صريعة وابل من الرصاص أمام عيني طفلتها. فارقت الحياة وعيناها تائهتان بين الندم والضياع، بينما اختطف "جيم" الصغيرة "حياة" ليحولها إلى ورقة ضغط أخيرة على الأب المكلوم. لم يعد الأمر مجرد براءة اختراع، بل صار صراعاً وجودياً بين عالم يريد منح الحياة للناس، وعصابات لا ترى في البشر سوى وقود لمصانعها. بقيت "القبة" شاهدة على أن ثمن المبادئ في هذا العصر قد يكون باهظاً إلى حد الفقد الكلي، لكنه الثمن الوحيد الذي يجعل للإنسان معنى في غابة من الأسلاك الشائكة والقلوب المعدنية.

أحمد صبري في روايته هذه لا يروي قصة خيال علمي، بل يسرد سيرة الروح المصرية في مواجهة تغول المادة، مهدياً عمله لأمه التي علمته القراءة، وكأنه يعود بحروفه إلى ذلك النبع الأول ليغسل تعب الرحلة. الكتاب صرخة في وجه الاحتكار، ودعوة لأن تظل العلوم ملكاً للبشرية، تماماً كما تشرق الشمس على الجميع دون فاتورة. 

إنها حكاية "حياة" التي سُرقت، وقبة لم تكتمل، وعالم أدرك أن أصعب حريق يمكن إطفاؤه هو ذلك الذي يشتعل في نفوس الطامعين. تنتهي الصفحات ويبقى الصدى يتردد في الأفق، مؤكداً أن النجمة التي نالها الطفل قديماً في كشكول الرياضيات كانت أطهر بكثير من كل ملايين العالم.