دراويش وكرامات

رأسي دومًا يتململ تساؤلًا كلما لمح منهم واحدًا؛ هل كانت وجهتهم حب الله وحده ورضاه، أم مجرد سعيٍ ليُقال عنهم: رجال ذوو كرامات ورؤى؟ وهل كراماتهم حقيقةٌ أم وهمٌ نسجته عقولنا؟ لا يخفى أن بعضهم، بين الحضور وبين الغياب، يمنح جل اهتمامه للكرامات والرؤى، ليلبسوه ثوب المشايخ ذوي الكرامات. وقد تحملهم نفوسهم على إثبات ذلك للناس، فيسخرون ممن لا يرون فيه ما يزعمون: "يا درويش، كرامةٌ ما فيش". هكذا يتجلى دربٌ قد يبدأ بنيةٍ طاهرة، ولكنه ينتهي بمساءلاتٍ لا تخبو، تتساءل عن حقيقة المقام، وعن ما يدور في دواخل القلوب التي تسعى للسماء، فلا تدري أهي تلتمس النور أم تتبع الوهم؟ دراويش وكرامات
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhr2xHwrXHNZXCODPjqE2WpyFqL3e30uLooavdcjFZru1huWghDXFggE2HBGssh31cntvLdWSbd-BG37IshsemkvPYrU_p-7kboqK1aY-fnQ-FEGwBXrRf7dglPqgpMXGLDP4wcU6pdq14fR87sVp1mNLmPvKvQYAXIMINLgbqTc_Nn2un_rRBOL4TR7rc/s320/406.jpg

رأسي دومًا يتململ تساؤلًا كلما لمح منهم واحدًا؛ هل كانت وجهتهم حب الله وحده ورضاه، أم مجرد سعيٍ ليُقال عنهم: رجال ذوو كرامات ورؤى؟ وهل كراماتهم حقيقةٌ أم وهمٌ نسجته عقولنا؟ لا يخفى أن بعضهم، بين الحضور وبين الغياب، يمنح جل اهتمامه للكرامات والرؤى، ليلبسوه ثوب المشايخ ذوي الكرامات. وقد تحملهم نفوسهم على إثبات ذلك للناس، فيسخرون ممن لا يرون فيه ما يزعمون: "يا درويش، كرامةٌ ما فيش". هكذا يتجلى دربٌ قد يبدأ بنيةٍ طاهرة، ولكنه ينتهي بمساءلاتٍ لا تخبو، تتساءل عن حقيقة المقام، وعن ما يدور في دواخل القلوب التي تسعى للسماء، فلا تدري أهي تلتمس النور أم تتبع الوهم؟

دراويش وكرامات مجموعة قصصية 406 84 فبراير 2020 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgzMu3vB0uwH3TLrBys9ZCwSbZVcDMLF7_7d3bRK5E7T7UCYRykThVvXk4UQdIsK_mIRqj4vqs18acYs9HAtfp3sj7EWOGRtXehBwQ1brBiW8Z79jerzyR4SF0ZsnPad0wNr_nTngOwrpNHVth-D9xkM6HKEraegLCXzdYNvy3TsrKuS6i7fCEQS87vJDc/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

سيرة الدراويش هي الرحلة التي لا تنتهي بين اليقين والوهم، وهي الحكاية التي يرويها محمد عبد النعيم في عمله "دراويش وكرامات" ليرصد تلك المسافة الفاصلة بين صفاء النية واحتراف القداسة. تبدأ الحكاية من عشة الشيخ إبراهيم المنزوية على حافة الترعة، حيث يمتزج صمت الطبيعة بضجيج الوجد الداخلي، وحيث تصبح المسبحة الطويلة جسراً يربط المعتزل بالعالم، أو ربما قيداً يربطه بصورة "الرجل الصالح" التي ينتظرها الناس. يطرح النص تساؤلاً جوهرياً يشبه ما كان يقلق الفيلسوف نيتشه حول حقيقة "الذات" حين ترتدي عباءة الزهد؛ هل يسلك هؤلاء الطريق حباً في الذات الإلهية، أم طلباً لثبات الخطى في عيون المارة لتقال عنهم أساطير الكرامات؟ إنها دراسة إنسانية مغلّفة بالسرد الروائي، تفتش في ثنايا النفوس التي قد يغويها بريق "الولاية" فتسقط في فخ الإثبات والمظاهر، حتى يرتد الصدى من أفواه العامة ساخراً بعبارة "يا درويش كرامة مفيش"، وهي الجملة التي تختصر انكسار الهالة حين يغيب المضمون الروحي.

تتحول القرية في هذا النص إلى مسرح مفتوح تسكنه الأضرحة الثلاثة الراقدة في شرق البلاد، حيث يمتزج الدخان المتصاعد من شموع النذور بدق الطبول والمزامير التي تسبق المحامل. هنا يتجلى "ضاحي" كشخصية محورية، يسكن ضريح الشيخ شرف ويذوب في تفاصيله حتى يختفي الحد الفاصل بين الرجل والولي، وبين العقل والجنون. يراقب محمود أبو زيد هذا المشهد بعين المشكك تارة والمتعجب تارة أخرى، متسائلاً عن السر الذي يربط إنساناً بضريح صامت، ومتنبئاً في سخرية مريرة بأن ضاحي نفسه قد يصبح يوماً ضريحاً يُزار. هذا التنبؤ ليس مجرد تهكم، بل هو كشف عن آلية صناعة "المقدس" في الوجدان الشعبي، حيث يُحول العجز أو البلاهة أو الغياب عن الوعي إلى كرامة تطلبها النساء الباكيات والرجال الباحثون عن مخرج من ضيق الحياة إلى سعة الغيب.

تنساب أحداث الكتاب عبر سلسلة من المشاهد التي تحمل عناوين موحية مثل "صورة الشيخ" و"تحت التابوت" و"صاحب المبخرة"، وكلها تصب في نهر واحد يغسل وجوه أولئك الذين فقدوا هوياتهم البشرية ليذوبوا في هويات غيبية. يصور الكاتب الشيخ إبراهيم بجيوبه العامرة بالحلوى وعصافير جنته المتخيلة، كأنه كائن من زمن آخر يرفض الانصياع لمنطق المادة، لكنه في الوقت ذاته يظل أسيراً لطقوسه التي قد لا يدرك كنهها أحد سواه. هي رواية عن "الخلوة" بوصفها مكاناً للقداسة ومخبأً من المواجهة، وعن "الجذبة" بوصفها حالة قصوى من التمرد على الواقع المرير. إن الكتاب لا يقدم إجابات حاسمة حول صدق هؤلاء الرجال من عدمه، بل يترك القارئ أمام مرآة تعكس رغبة الإنسان الأزلي في التعلق بقوة خارقة تحميه، تماماً كما يرى أهل القرية في أصحاب الأضرحة "حماة البلاد".

الدرس الكامن في ثنايا هذا السرد لا يُقال وعظاً، بل يظهر في صورة ضاحي وهو يتمسح بالمشهد ويستنشق الثياب قبل أن يغوص في شرود عميق، وفي قلق محمود أبو زيد حين يدخل الضريح فلا يجد صاحبه. إن الغياب المفاجئ للدرويش يترك فراغاً لا يملؤه إلا الخوف أو الأسطورة، وهو ما يسلط الضوء على هشاشة النفس البشرية التي تخشى الفراغ فتملؤه بالكرامات المتخيلة. الكتاب في جوهره رحلة أدبية تستعرض أنماطاً بشرية اختارت الهامش مكاناً لها، فصارت في نظر البعض تيجاناً فوق الرؤوس، وفي نظر البعض الآخر أوهاماً تسعى خلف سراب. ينتهي النص دون أن تنتهي الحيرة، تاركاً القارئ يتأمل في تلك النفوس التي غابت داخل الأضرحة ونسيت أنها من طين، باحثة عن الخلود في بخور الزوايا وهمسات الدراويش، وكأن الكرامة الحقيقية هي القدرة على البقاء بشراً في عالم يصر على تحويل كل شيء إلى طقس أو صنم.