الرحيل

كوكب يلفه وباء قاتل، وفضائيون يظهرون فجأة ليعدوا بالخلاص، ورحلة جماعية إلى منفى فضائي لا يعلم أحد مداه. هكذا تبدأ "الرحيل"، حيث يجد آدم نفسه مع عائلته وجدّه المكلوم بالرحيل القسري، وسط جموع بشرية تاركة أوطانها وأحلامها خلفها. لكن الوعد بالنجاة سرعان ما ينقلب إلى فخّ، والسماء التي بدت مخلصة تصير سجناً لا حدود له. بين حنين جدّ لزوجته الراحلة، وحلم طفل بمعرفة الحقيقة، تتكشف خيوط مؤامرة أكبر مما يتصور الجميع. رواية خيال علمي تحمل في طياتها سؤالاً عن الهوية، عن الوطن، عن معنى الحرية حين تصبح مجرد وهم. وأيضاً عن ذلك الطفل الذي قد يصبح مفتاح تحرير شعبه، إن امتلك الشجاعة والصبر وقلباً لا ينسى جذوره. الرحيل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgrFRL5aHxOYCaz1buTTDzFdY38f43_4MhwB9VRFx6Y6c3j8rKWIvBopBDb8LRVOBXy5f2MIyv_eMzzrcirBme8Omht3XzyWgod1XkQubFKUvg1FMjhFZrfmrcfOQS-6eGmVFFDCkXIwF5tTGE1O6YRn0O_rRR_u00bM05csnn48DNEQWZQ_ZrVjH1-vqc/s320/679.jpg

كوكب يلفه وباء قاتل، وفضائيون يظهرون فجأة ليعدوا بالخلاص، ورحلة جماعية إلى منفى فضائي لا يعلم أحد مداه. هكذا تبدأ "الرحيل"، حيث يجد آدم نفسه مع عائلته وجدّه المكلوم بالرحيل القسري، وسط جموع بشرية تاركة أوطانها وأحلامها خلفها. لكن الوعد بالنجاة سرعان ما ينقلب إلى فخّ، والسماء التي بدت مخلصة تصير سجناً لا حدود له. بين حنين جدّ لزوجته الراحلة، وحلم طفل بمعرفة الحقيقة، تتكشف خيوط مؤامرة أكبر مما يتصور الجميع. رواية خيال علمي تحمل في طياتها سؤالاً عن الهوية، عن الوطن، عن معنى الحرية حين تصبح مجرد وهم. وأيضاً عن ذلك الطفل الذي قد يصبح مفتاح تحرير شعبه، إن امتلك الشجاعة والصبر وقلباً لا ينسى جذوره.

الرحيل رواية 679 68 مايو 2022 yes 201091985809 د. هشام عباس كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEipbrVYtfhkq0tCtGkPliUhyphenhyphenJKPHFDerUDIwujcNm9Bhy2bLvp1PBrGY-I_ozzqoFpAMKhvppGAWPtg_NHKXzh2qWixflTfdEb58QXTO0y6GpNxfY92JDqKeh57uy0aakKUtkbsecckSOSG17cZM0CBGY9UaAEx_AgkKfGzsFTXSFgNhIhYTedQaDx-Jmc/s800/%D8%AF.-%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg

تبدأ الرواية من لحظة توتر عائلي، حين يبحث جمال عن والده الجدّ في حديقة المدينة، فيجده باكياً، عاجزاً عن احتمال فكرة الرحيل القسري عن كوكب "ناميسا". ذلك الوباء الذي ضرب العالم أجمع، وأغلق كل المنافذ، لم يعد أمام البشر منه سوى الفرار، أو الموت. غير أن الفرار هنا ليس إلى مدينة مجاورة، بل إلى كوكب آخر، بوساطة كائنات فضائية غامضة، أقنعت الجميع بأن الخلاص الوحيد هو في ترك الأرض وذكرياتها. الجدّ، الذي فقد زوجته قبل أشهر، لم يستطع استيعاب أن يترك قبرها، وبيته، وحديقته، وصورتها التي مازالت تملأ عليه أيامه. رحل الجدّ قبل أن تغادر السفينة، ليسقط بين يدي ابنه وحفيده، تاركاً آدم وحيداً مع حزن مضاعف، وحنين إلى رجل لم يمنحه الموت فرصة حتى ليطأ الكوكب الجديد.

تتوالى الأحداث بسرعة، في إطار من الخيال العلمي الموجّه للناشئين، حيث تحاول الرواية تقديم تصور مختلف للجوء والهجرة وثمن التطور التكنولوجي. فالكوكب الجديد، الذي يُدعى "أ"، لم يكن فردوساً كما وُعدوا، بل أرضاً بكراً خالية من البيوت والمدارس والخدمات، حيث تُرك الناس هناك كتجارب، تحت مراقبة الحكام الفضائيين المختبئين، وبدون أي وسيلة للعودة. تبدأ الحياة على الكوكب الجديد من الصفر: كهوف تؤوي الخائفين، نار تُشعل بأيدي الأطفال، حيوانات مفترسة، زراعة، وصيد. آدم، الذي أظهر ذكاءً وشجاعة، تمكن مع صديقه ماجد من إشعال النار، ومن ثم تكوين حياة جديدة متواضعة. ولكنه لم ينسَ أبداً صرخة جده، ولم ينسَ أن وطنه الحقيقي لا يزال هناك، وأن ما حدث ليس نهاية المطاف.

من هنا، تنتقل الرواية من سرد البقاء إلى رحلة التحرّر. يكبر آدم، ويصير أكثر وعياً بما يحدث حوله. وعندما يقرر هو وصديقه استكشاف النهر على متن قارب خشبي، يكتشفان فتاة زرقاء البشرة تدعى "دالا"، وهي نجت من انفجار كوكبها وتحطمت مركبتها في هذا الكوكب. من خلالها، يتوسع أفق الرواية ليشمل حكايات أخرى من الفقد والهجرة، لكنها أيضاً تمنح آدم دافعاً جديداً للتساؤل عن حقيقة الفضائيين الذين نقلوهم. في هذا السياق، لا تخلو القصة من إشارات صريحة إلى مفاهيم الاستعمار، والتفوق العلمي، وخداع الشعوب باسم المساعدة الإنسانية. الكوكب الجديد لم يكن ملاذاً آمناً، بل ساحة اختبار، أو منفى مقنّع، ليتسنى لأقوياء ناميسا التخلص من الضعفاء واحتكار كوكبهم الأصلي.

وفي ذروة الأحداث، يُلقى القبض على سكان القرية، ويُسجنون بسبب خرقهم تعليمات الفضائيين وعبورهم النهر. يتعرضون للتعذيب بالجوع والعطش، وفي السجن، يقرر آدم أن يلجأ إلى خطة جريئة: التظاهر بالخيانة، والانحياز إلى بيتر، قائد الفضائيين، مقابل الإفراج عن أهله وفرصة العودة إلى ناميسا. إنه قرار يجعله وحيداً وسط أهله، متّهماً من أقرب الناس إليه، لكنه يثق بأن الوقت كفيل بكشف الحقيقة. وهنا يُظهر الكاتب براعة في بناء الشخصية المحورية، فلا نرى في آدم بطلاً خارقاً، بل طفلاً تحوّله الظروف إلى رجل عليه أن يتحمّل أوجاع الخيانة الظاهرية، في سبيل تحقيق هدف أكبر. حبكته معقولة في إطارها الخيالي، وتنقل القارئ بين مشاعر الإحباط والأمل بسلاسة.