عالم الشياطين

تتلوى أفكار سهام في ظلمة غابت عنها الذاكرة، صرخة مدوية تنبئ بليل لا ينتهي. لقد وعدت ابنتها بأن تلك الحالة المزرية لن تتكرر، لكن الأيام الأولى بعد الحادثة بدت كجحيم فقدت فيه كل شيء. أحمدت الله على ما أصابها، وحاولت التعايش رغم صعوبة الأمر، وكأن شيئاً لم يكن. في تلك الأثناء، تستغل رحمة وجود والدتها لتجرب حيلة قديمة: قلب رأسها للأسفل، معتقدة أن ذلك سيمنحها دفعة من التفكير، بينما تصرخ سهام لنفسها، "تذكري!"، وتتصل بالدماغ الغبي الذي لم يلتقِ بغيره من قبل. هذه المحاولة اليائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، هي المفتاح لعالم من المفارقات والتناقضات، حيث تتشابك قضايا الإنسان المعاصر مع همومه اليومية، لتشكل نسيجاً روائياً فريداً. عالم الشياطين
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjyDQFekQluhvR2fMtz1pmGJkW8k5opoZ_gwy7OxgtdwMpnfS_Jw8xl22SaKJZnrDU-owoBogOMBP_9YhKLDJ-iEuM-jEDoOIiKzOJQC_tqMs1GmDrnzR1bze_dVKyu75jw3MUUXF0hX6pvJtpwRkL51tpg9rbLDcrIzC8L965pNzQZsd62sZ3ugzJXckQ/s320/436.jpg

تتلوى أفكار سهام في ظلمة غابت عنها الذاكرة، صرخة مدوية تنبئ بليل لا ينتهي. لقد وعدت ابنتها بأن تلك الحالة المزرية لن تتكرر، لكن الأيام الأولى بعد الحادثة بدت كجحيم فقدت فيه كل شيء. أحمدت الله على ما أصابها، وحاولت التعايش رغم صعوبة الأمر، وكأن شيئاً لم يكن. في تلك الأثناء، تستغل رحمة وجود والدتها لتجرب حيلة قديمة: قلب رأسها للأسفل، معتقدة أن ذلك سيمنحها دفعة من التفكير، بينما تصرخ سهام لنفسها، "تذكري!"، وتتصل بالدماغ الغبي الذي لم يلتقِ بغيره من قبل. هذه المحاولة اليائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، هي المفتاح لعالم من المفارقات والتناقضات، حيث تتشابك قضايا الإنسان المعاصر مع همومه اليومية، لتشكل نسيجاً روائياً فريداً.

عالم الشياطين نوفيلا 436 112 يونيو 2020 yes 201091985809 إيهاب همام كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhcXPMHUMOqkUGHUOD6_P8aD0FfKsGUryvKhk-xt-nsgujO6JkCm6qIMCt_80wlUuHETa9pkHyiX02MadPs7VKN71tuD5dSnGjXbTEBhxpV0ke9iXMQbUQKc_h3qOY4oYzfWxBiYSwYW2eyvBa7y-dtllIxwwozcC8kDAxaIAoi85xj6_oVV8_d6KW5Hv0/s295/%D8%A5%D9%8A%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%87%D9%85%D8%A7%D9%85.jpg

صرخة سهام المدوية تمزق صمت الليل. ابنتها، بعد حادث غامض، لم تعد تعرفها. ثلاثة أيام قضتها الفتاة في حالة يرثى لها قبل أن تفقد ذاكرتها كليًّا. كمن يفتح كتابًا فجأة ليجد صفحاته بيضاء. سهام، رغم ألمها العميق، تحاول التعايش مع الواقع الجديد. تشكر قدرًا جعل النسيان درعًا ضد ألم الماضي، لكن ذاك الدرع يحجب أيضًا وجهاً عزيزاً.

رحمة، الابنة، ليست مجرد ضحية فقدان ذاكرة. روحها الساخرة تتحول إلى عدسة تكبر عبثية الموقف. في مشهد يختزل عبثية البحث عن الذكريات، تقف رحمة على رأسها! "الدم سيندفع للرأس وسيساعدني على التذكر"، تبرر لأمها المذهولة. وعندما تفشل المحاولة، تضغط على رأسها وتصيح: "تذكر يا غبي! أنت أغبى مخ لقيتُه". حواراتهما أشبه بشظايا زجاج: حادة، لامعة، وتعكس تشققات العلاقة الأمومية. حتى الهدايا تتحول لمعارك؛ حين يأتي عم رحمة بدجاجٍ وعنبٍ، تشترط سهام: "إن كنتِ ستأكلين، فستنظفين الفراخ". هربت رحمة، لكن لعناتها على حبها للدجاج المحمر ظلت تملأ الغرفة.

ينتقل السرد إلى عوالم أخرى. سهام ليست مجرد أم حزينة؛ إنها باحثة تتعمق في عالم خفي. هنا يكشف النص عن طبقة غريبة: عالم الجن. ليس الجن الأسطوري المُخيف فقط، بل نوعان: مسلم لا يؤذي، وكافر متخصص في "المَسّ" والتلبس. 80% من معرفة الناس عن الجن، كما توضح سهام، تنحصر في النوع المؤذي الكافر، بينما يظل الجن المسلم مجهولاً كظل خافت. هذه المعرفة تدفع رحمة لسؤال مركزي: "هل أنا حقًّا مريضة؟". جواب سهام مراوغ، يحول السؤال الديني إلى مرآة: "هل تصلي؟... هناك فترة نعلم جميعًا أننا نصلي، لكن بيننا وبين أنفسنا لا نفعل". الإيمان هنا ليس طقوساً فقط، بل حائط صد ضد عوالم الظلام.

الرواية لا تقدم حلولاً سهلة. ذاكرة رحمة المفقودة تشبه لغزاً بقطع ناقصة. بحثها عن الحقيقة يصطدم بسخرية وجودها وأسئلتها البريئة-المربكة: "هل التَقيتُ بمخ آخر غير مخك يا أمي؟". بينما تحفر سهام في عالم الجن، تكتشف أن بعض الشياطين قد يكون أقرب مما تتصور، وأن بعض المعارك اليومية – كتنظيف الدجاج – قد تخفي حروباً وجودية. النسيان أحياناً نعمة، لكنه أيضاً سجن. البحث عن الحقيقة قد يحرر، لكنه قد يكشف أن بعض الشياطين يسكنون داخلنا، أو في أبسط تفاصيل حياتنا المنسية.