رانت الأيام

الحياة لعبة مليئة بالتحديات، يواجهها الطفل بلمعان في عينيه وحماس يتزايد كلما اشتدّ الصراع. هذا الطفل لا يملك رفاهية الانزواء باكيًا، بل يحتاج أن ينهي دوره حتى يحصد ثمار فوزه. يشبه هذا المشهد حالنا عندما تشتدّ الأيام وتتلبّد سماء الواقع بغموض، فنصبح بحاجة ماسة لإضاءة تكشف لنا حقيقة الأشياء. هنا، بين صفحات هذا الكتاب، تكمن تلك الإضاءة، دعوة لاكتشاف منظور مختلف للحياة، منظور يمنحنا ثباتًا وسعادة. إنها ليست دعوة للهروب من الواقع، بل لتغيير زاويتنا في النظر إليه، تمامًا كما يتطلب بناء سفينة شراعية معرفة دقيقة بالرياح والتيارات، لا مجرد ركوب الأمواج. فالنجاح الحقيقي لا يأتي من انتظار الظروف المثالية، بل من فهم دورنا في هذه اللعبة الكبرى، والتحرك بوعي وثبات نحو تحقيق أهدافنا. رانت الأيام
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjs4iJi2IWgxqipwur_z21PkklR5gRq-2QvVPXsVcAjdk_rUXImeHXpwDviLOrEXt8oruVGe6ot4kkgUAfbdXmwd2c57lBVQ6CRd-yvpm66lt5ELpkBmd8j4xywhPuHMt4GYQ7RgvIjGubruKG9dx-n1DiHR6HOBzxXIAXYfbzSnwpV2SIxh-j2ZIJcO2o/s720/316.jpg

الحياة لعبة مليئة بالتحديات، يواجهها الطفل بلمعان في عينيه وحماس يتزايد كلما اشتدّ الصراع. هذا الطفل لا يملك رفاهية الانزواء باكيًا، بل يحتاج أن ينهي دوره حتى يحصد ثمار فوزه. يشبه هذا المشهد حالنا عندما تشتدّ الأيام وتتلبّد سماء الواقع بغموض، فنصبح بحاجة ماسة لإضاءة تكشف لنا حقيقة الأشياء. هنا، بين صفحات هذا الكتاب، تكمن تلك الإضاءة، دعوة لاكتشاف منظور مختلف للحياة، منظور يمنحنا ثباتًا وسعادة. إنها ليست دعوة للهروب من الواقع، بل لتغيير زاويتنا في النظر إليه، تمامًا كما يتطلب بناء سفينة شراعية معرفة دقيقة بالرياح والتيارات، لا مجرد ركوب الأمواج. فالنجاح الحقيقي لا يأتي من انتظار الظروف المثالية، بل من فهم دورنا في هذه اللعبة الكبرى، والتحرك بوعي وثبات نحو تحقيق أهدافنا.

رانت الأيام مقالات فكرية 316 196 نوفمبر 2019 yes 201091985809 د. عفاف فتح الله الحباك كاتبة مصرية

تتحرك الحياة في مسارات روتينية تشبه حركة التروس الرتيبة في ساعة حائط قديمة، حيث يفقد الإنسان قدرته على رؤية التفاصيل الدقيقة بسبب تكرار المشهد. تضع الدكتورة عفاف الحباك في كتابها "رانت الأيام" عدسة مكبرة أمام القارئ، محاولة كشف الغشاوة التي تراكمت بفعل الأيام، تماماً كما يتراكم الصدأ على سطح معدني مهمل فيحجب بريقه الأصلي. الرؤية السليمة للوجود لا تأتي من إضافة معلومات جديدة بقدر ما تأتي من تغيير الزاوية التي ننظر منها إلى الأشياء، فالكائن الداخلي في كل فرد يحتاج إلى "إشارة" أو ومضة ضوئية ليعيد اكتشاف الصراط الذي يسير عليه. تشبه المؤلفة الحياة بلعبة مليئة بالتحديات، حيث يبرز المشهد الملموس للطفل الذي يرفض ترك اللعب رغم نداءات أمه، ليس عناداً بل غرقاً في لذه التحدي، وهذا الإصرار هو الوقود المحرك للإنسان حين يواجه لحظات اليأس أو الانكسار الفكري.

تنتقل الدكتورة بمبضع الجراح إلى منطقة تطوير الذات، معتبرة أن الثقة بالنفس والاعتراف بالميزة الفردية هما حجر الزاوية في أي نجاح مستقبلي. تستعير هنا تشبيهاً من عالم التجارة والتسويق؛ فالإنسان في سوق الحياة يمثل "المنتج" الذي يجب أن يكون مميزاً وعليه طلب، وهذا التميز لا يحدث بالصدفة بل عبر صقل المهارات والاهتمام بالتفاصيل الداخلية. تضرب المؤلفة مثلاً سينمائياً من واقع الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث تسبب الانهيار الاقتصادي في تسريح 5,000 موظف من شركة كبرى، من بينهم كفاءات كانت تظن أنها في مأمن. هذا الرقم الضخم يعكس هشاشة الاستقرار الوظيفي القائم على الركود، ويوضح أن الذات هي الاستثمار الوحيد الذي لا يخضع لقوانين الإفلاس أو التسريح، طالما أن المرء يمتلك عقلية مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات الحادة.

يتجه النص بعد ذلك نحو تشريح العلاقة بين العقل والإيمان، مفرقاً بين "التفكير" و"التفكر" كفرق المحرك الذي يدور في فراغ والمحرك الذي يدور ليدفع السفينة للأمام. ترى المؤلفة أن العقل البشري يشبه جهاز استقبال له ترددات محددة؛ فإذا حاول التقاط موجات خارج نطاقه، مثل محاولة إدراك الذات الإلهية مباشرة، فإنه يصاب بالتشويش أو العطل. العقل السليم هو الذي يدرك حدوده الهندسية، فيوجه طاقته نحو التفكر في المخلوقات والظواهر المادية ليصل من خلالها إلى الخالق، بدلاً من الغرق في جدل بيزنطي حول الغيبيات التي حُجبت عن الحواس. إن نسبة كبيرة من الحجج التي يسوقها البعض ضد المفاهيم الدينية تنبع من خلل في التطبيق البشري لا في جوهر الأفكار ذاتها، تماماً كما يلام المهندس على انهيار مبنى صممه بشكل خاطئ، ولا تلام قوانين الفيزياء التي تحكم توازن الأثقال.

تختتم الرؤية الفكرية بالتأكيد على أن التنوير الحقيقي هو استخدام العقل في مساحته المخصصة له، والبحث عن الجمال في التفاصيل اليومية مثل معاملة الأبناء الذين تصفهم بأنهم "نجوم تمشي على الأرض". إن الإعجاز لا يكمن في رؤية الخالق جهرة، بل في إعمال العقل لرؤية أثره في كل ذرة ونسبة رياضية في الكون. ترفض المؤلفة الاستسلام لغمة الأيام وتدعو إلى إحياء الإيمان الداخلي كقوة دفع ذاتية، فالحياة لا تتوقف عند أزمة مالية أو تساؤل فلسفي معقد، بل تستمر طالما أن هناك إضاءة تميز الصراط وتحافظ على ثبات الخطوات وسط ضجيج العالم المعاصر. العلم هنا ليس معادلات جافة، بل هو أداة لفهم مكانة الإنسان في منظومة الوجود، وضبط بوصلته نحو الحقيقة التي تمنحه السكينة والقدرة على مواجهة التحديات بقلب طفل لا يعرف التراجع.