جريمة في الحي الصامت

جريمة في حيٍّ يبدو صامتاً، لكنّه يئنّ تحتَ وطأةِ الأسرارِ والصراعاتِ الخفية. أربعُ قصصٍ تتشابكُ في نسيجٍ واحدٍ من الغموضِ والألم، حيثُ تتحوّلُ التفاصيلُ اليوميةُ إلى أدلةٍ، وتصيرُ الصداقاتُ خيوطاً في شبكةِ خيانةٍ معقّدة. من جريمةِ قتلٍ في صعيدِ مصرَ تُعيدُ فتحَ جرحٍ قديم، إلى خيانةِ زوجةٍ تُفتّشُ في رمادِ الحبِّ عن حقيقة، مروراً بعقليةِ قاتلٍ متسلسلٍ يرى في العدالةِ الإلهيةِ ذريعةً لانتقامِه، وصولاً إلى سيدةِ أعمالٍ تُحوّلُ آلامَ الناسِ إلى أرباح، هذا الكتابُ يُصوّرُ الجريمةَ لا كحدثٍ يُروى، بل كمرآةٍ تعكسُ تشوّهاتِ الروحِ الإنسانية، ويُذكّرُ بأنَّ أخطرَ الجرائمِ هي تلك التي ترتكبُ باسمِ الحبِّ أو العدل. جريمة في الحي الصامت
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjlB7QOEAxwjItMU-LHqIrbD6gSYKP-i_GvKM5vuEwa9KUQ3tFM35lOMVm60g-KcpgaLpSdcdX6LZq4qOebJIfHQailfXaeY9FStBT5EKt-hcWGQO43HFrbpJ2OE_ueVakCNHUMi-09e3YjTqOijfzh1TndOhWwZZKXvoNShB1umJAoiNFB9QzzCh5UHCA/s320/534.jpg

جريمة في حيٍّ يبدو صامتاً، لكنّه يئنّ تحتَ وطأةِ الأسرارِ والصراعاتِ الخفية. أربعُ قصصٍ تتشابكُ في نسيجٍ واحدٍ من الغموضِ والألم، حيثُ تتحوّلُ التفاصيلُ اليوميةُ إلى أدلةٍ، وتصيرُ الصداقاتُ خيوطاً في شبكةِ خيانةٍ معقّدة. من جريمةِ قتلٍ في صعيدِ مصرَ تُعيدُ فتحَ جرحٍ قديم، إلى خيانةِ زوجةٍ تُفتّشُ في رمادِ الحبِّ عن حقيقة، مروراً بعقليةِ قاتلٍ متسلسلٍ يرى في العدالةِ الإلهيةِ ذريعةً لانتقامِه، وصولاً إلى سيدةِ أعمالٍ تُحوّلُ آلامَ الناسِ إلى أرباح، هذا الكتابُ يُصوّرُ الجريمةَ لا كحدثٍ يُروى، بل كمرآةٍ تعكسُ تشوّهاتِ الروحِ الإنسانية، ويُذكّرُ بأنَّ أخطرَ الجرائمِ هي تلك التي ترتكبُ باسمِ الحبِّ أو العدل.

جريمة في الحي الصامت مجموعة قصصية 534 164 مارس 2021 yes 201091985809 سلوان البري كاتبة مصرية

تتألّفُ مجموعةُ "جريمة في الحي الصامت" لسلوان البري من أربعِ قصصٍ بوليسيةٍ ونفسيةٍ مترابطة، تُشكّلُ كلّ واحدةٍ منها حلقةً في سلسلةٍ من الغموضِ المعقّد. تبدأُ القصةُ الأولى، والتي تحملُ عنوانَ المجموعة، بمشهدِ تحقيقٍ في جريمةِ قتلِ سيدةٍ تدعى "كوثر"، حيثُ يظهرُ المحققُ "جمال" الذي يجمعُ بينَ صفةِ الضابطِ وذاكرةِ الضحيةِ القديمة. غيرَ أنَّ التحقيقَ سرعانَ ما يأخذُ منحى مختلفاً حينَ تتّضحُ العلاقةُ العميقةُ بينَ الجريمةِ الحاليةِ ومقتلِ حبيبةِ جمال، "بسمة"، قبلَ ثلاثينَ عاماً.

تكشفُ الاسترجاعاتُ الزمنيةُ أنَّ جمالَ كانَ شاباً يحلمُ بالزواجِ من بسمة، لكنّ خطّتهُ وُوجهتْ برفضِ عائلته، وتحديداً عمِّه وجدِّه، اللذينِ كانا يخططانِ لزواجه من فتاةٍ أخرى لخدمةِ مصالحِهما المادية. بعدَ ضغطٍ عائليّ، تُختطفُ بسمةُ وتُقتلُ على يدِ عشيقةِ عمِّه "كوثر"، بينما يتآمرُ الجميعُ على إسكاتِ الحقيقةِ وإبعادِ جمال. هذا الماضي المأساوي يتحوّلُ إلى مفتاحٍ لفهمِ الجرائمِ الحالية، حيثُ تبدأُ نساءٌ أخرياتٌ بالظهورِ مقتولاتٍ بنفسِ الطريقة، وفي نفسِ المكان، وكأنَّ منتقماً قد عادَ ليُطالبَ بدماءٍ قديمة.

تتّخذُ القصةُ منعطفاً درامياً حينَ يُكشَفُ أنَّ القاتلَ المتسلسلَ ليسَ سوى "سالم"، صديقُ جمالَ وابنِ عمِّه "سليم". فسالم، الذي عاشَ طويلاً تحتَ وطأةِ فقدانِ أختِه، خططَ لانتقامٍ متقنٍ، حيثُ قتلَ النساءَ المتورّطاتِ في مأساةِ بسمة، بما في ذلكَ السيدتانِ اللتانِ ساعدتا في اختطافها، وأخيراً ابنةُ عمِّه "جميلة". ذروةُ القصةِ تبلغُها حينَ يُجبرُ جمالُ على إطلاقِ النارِ على صديقِه سليم، ظناً منه أنّه القاتل، لكنّه يكتشفُ بعدَ فواتِ الأوانِ أنَّ سالمَ قد خدعه، وأنَّ مسدّسَه كانَ فارغاً، تاركاً إيّاهُ يعيشُ معَ عبءِ قتلِ صديقِه الذي لم يكنْ لهُ ذنب.

تنتقلُ القصةُ الثانيةُ، "الجريمة الكاملة"، إلى فضاءٍ آخرَ من الخيانة، حيثُ تروي الصحفيةُ "نهى" قصةَ زواجها من "شريف" المحامي الذي بدا مثالياً في البداية. غيرَ أنَّ صديقتها ورفيقةَ طفولتها "سلمى" تكشفُ لها حقيقةَ زوجها المزدوجةَ، وتُخبرها بأنَّه كانَ على علاقةٍ بها، وأنَّه تسبّبَ في موتِ أمِّها بعدَ أنْ علمتْ بالخيانة. هنا، تتداخلُ دوافعُ القتلِ معَ الألمِ الشخصي، إذْ تقتلُ نهى زوجها بالسمِّ، وتقتلُ سلمى التي كانتْ شاهداً على خيانته، لتنجو بطفلها الذي تحمله، وتُعيدُ بناءَ حياتها بوصفها ضحيةً بريئة.

القصةُ الثالثة، "المنتصف المميت"، تُقدّمُ منعطفاً درامياً آخرَ من خلالِ روايةِ "دكتور مصطفى" الذي يرقدُ في المستشفى مصاباً بجرحٍ نافذٍ من زوجته "ليلى". طوالَ القصة، نكتشفُ معَ المحققِ تفاصيلَ مرضِ ليلى النفسي، التي كانتْ تُجهضُ نفسها سرّاً، وتتهمُ زوجها بالخيانةِ وتُصابُ بالهلوسةِ بوجودِ امرأةٍ أخرى في المنزل. لكنَّ المفاجأةَ تأتي في النهايةِ حينَ يظهرُ أنَّ ليلى كانت تسممُ زوجها ببطء، وأنَّ جرحَه ليس إلا نتيجةَ محاولتها لقتله، بينما كانت تخططُ لانتحارها كي تتهمَه. القصةُ هنا ليست عن جريمةٍ مزدوجةٍ فقط، بل عن صراعٍ مريضٍ بينَ الواقعِ والهذيان، تنتهي بموتِ ليلى وسجنِ مصطفى في جسدهِ المصاب وروحِه المعذبة.

أما القصةُ الرابعةُ والأخيرة، "شركة السعادة"، فتُقدّمُ نموذجاً مختلفاً للشرّ، حيثُ تُروي "نغم" قصتها كفتاةٍ يتيمةٍ طُردتْ من وظيفتها الجامعيةِ بسببِ ابنةِ عميدِ الكلية، التي أخذتْ مكانها. بدافعِ الانتقام، تقيمُ نغم شركةً للسعادةِ تدّعي من خلالها مساعدةَ الشبابِ على تجاوزِ ألمهم، بينما تستغلُهم مادياً. في طريقها نحو الانتقام، تتقرّبُ نغم من ابنةِ العميد، وتُقنعُها بكتابةِ رسالةٍ لوالدها، لتُرهِبَه وتُوقِعَه. لكنّ ذروةَ الانتقامِ تأتي بقتلِها لشهيرة، ابنةِ العميد، وتلفيقِ التهمةِ لوالدها، لينتهي الأمرُ بإعدامِه، وتحقيقِ نغم لكلِّ ما حلمت به: وظيفةٌ جامعيةٌ وثراءٌ وشهرة.

تربطُ المجموعةَ جميعَها فكرةٌ مركزيةٌ هي "الجريمةُ كردِّ فعلٍ على الظلم"، حيثُ يتحوّلُ المظلومونَ إلى جناةٍ في نظرِ القانون، وضحايا في نظرِ أنفسهم. تتنوّعُ أساليبُ القصِّ بينَ سردٍ بوليسيٍّ كلاسيكيٍّ في القصةِ الأولى، وسردٍ نفسيٍّ عميقٍ في الثانيةِ والثالثة، وسردٍ ساخرٍ ناقدٍ في الرابعة. وهذه التنوّعاتُ الأسلوبيةُ تُضفي على المجموعةِ ثراءً يجعلُها أكثرَ من مجردِ نصوصٍ بوليسية، بل تصبحُ دراسةً في سيكولوجيةِ الجريمةِ في المجتمعِ المصريِّ الحديث، حيثُ يختلطُ الانتقامُ بالعدالةِ، ويضيعُ الفرقُ بينَ الضحيةِ والجاني.