حطام زاحف

تتشظى الروح في دروب الحياة، تتقاذفها أمواج الأيام، تارة ترتفع إلى عنان السماء، وتارة تسقط في هوة النسيان. يجمع القلب شتات نفسه بين فصول الزمان، فكل إنجاز، وكل خسارة، هي فصلٌ يحفر ذاكرته. هناك من تتكدس في دروبه الحياتية فصولٌ قاحلة، يسير بينها كمن يمشي في صحراء بلا ماء. والبعض الآخر يجد في قلب عاصفة الأيام إيقاعاً يدفع به إلى الأمام، مستقياً من مرارة الأمس وحلاوة اليوم، ليصوغ من كل تجربة خطوة. لا تتوقف الرحلة عند أول محطة، بل تستمر مع كل نبضة، وكل نفس، لتتحول الذات من وعاءٍ فارغ إلى كتابٍ مليء. حطام زاحف
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgJIS81lM2w_XbgVWtxJVhfSt1ZNl0c4Aucvz4jnhWkrKs7SMQpbi_F5aq8ErRY6SN1deTHmasTA30VeTsbPRWkQzNF06A_WU1JnDQBEeVYy5frEZi2iBT7PoGLWylyWMiZhSjCw6GITqj_9ZtKzdga3mrwPXq9Dl8ylBruxHI2EEmiUxHO9-tQ4dbYEfU/s320/220.jpg

تتشظى الروح في دروب الحياة، تتقاذفها أمواج الأيام، تارة ترتفع إلى عنان السماء، وتارة تسقط في هوة النسيان. يجمع القلب شتات نفسه بين فصول الزمان، فكل إنجاز، وكل خسارة، هي فصلٌ يحفر ذاكرته. هناك من تتكدس في دروبه الحياتية فصولٌ قاحلة، يسير بينها كمن يمشي في صحراء بلا ماء. والبعض الآخر يجد في قلب عاصفة الأيام إيقاعاً يدفع به إلى الأمام، مستقياً من مرارة الأمس وحلاوة اليوم، ليصوغ من كل تجربة خطوة. لا تتوقف الرحلة عند أول محطة، بل تستمر مع كل نبضة، وكل نفس، لتتحول الذات من وعاءٍ فارغ إلى كتابٍ مليء.

حطام زاحف خواطر 220 80 أبريل 2019 yes 201091985809 ريان إدريس كاتبة جزائرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEijUCo1pZyHnotqDCb1DXvF77bv8EGz0AxRSZrayKprpyswLitnz_rFyupbshqn-_mcY1iDYhVQ2hUsscbc8bXdyn6Y_tdLLusyHZ9hItTq0MGf-dmeIYEOXO7lZxjbsI7QEVQ2NpiMOpBwz4BUHFn4zcUFYxpuy_OnT24KUsb7oCmTe4NdcFvgPSvfnQ0/s800/%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%B3.jpg

تمتد يد الكاتب ريان إدريس في مؤلفه "حطام زاحف" لتتحسس جراح الذات الإنسانية في طبعة ثانية صدرت عن دار لوتس، ليكون النص مرآة تعكس شظايا الروح وهي تحاول لملمة نفسها بعد كل انكسار. تبدأ الرحلة من عتبة الوعي الأول، حيث يرى المؤلف أن حياة الإنسان ليست سوى سلسلة من الافتتاحات المتكررة التي تقودنا تارة نحو القمم وتارة تهوي بنا إلى سحيق الوديان، فالبقاء ليس لمن يسبق، بل لمن يمتلك القدرة على فهم كل ثانية تمر بين أصابعه قبل أن يغادر هذا الجسد الفاني. يستحضر الكاتب في ثنايا خواطره روح الفيلسوف الوجودي الذي يرى في الألم مادة خاماً لصناعة المعنى، مؤكداً أن الإنسان الأكثر ثراءً هو ذاك الذي تذوق مرارة الأيام وحلاوتها، فاجتمعت في وجدانه فصول قاحلة كفيافي الصحراء وأخرى مثمرة كالبساتين المعلقة.

تتجلى في النصوص صورة "الابتسامة المزيفة" كقناع يرتديه المرء ليداري به تناقضات النبض، وهي استعارة بليغة عن الاغتراب الذي يعيشه الفرد حين يضطر للتظاهر بالتماسك وسط الحشود بينما يغلي في داخله طوفان من التساؤلات. ينحاز إدريس إلى الخيال كملجأ أخير من قسوة الواقع، فالحياة في نظره ضباب يتلاشى، والصدق لا يوجد إلا في تلك اللحظات التي نخلع فيها وجوهنا المستعارة لنواجه حقيقتنا العارية. ينساب الحبر ليصور الصراع بين الحلم والحقيقة كمعركة أبدية، حيث يتفنّن الواقع في تبديل أدواره، ويجد الإنسان نفسه ممثلاً على خشبة مسرح كوني، يراوح بين انفصام الخيال واحتراف السقوط.

ينتقل النص بموسيقاه الحزينة ليصف "انكسار القمر"، وهي صورة بلاغية عميقة لاجتماع المتناقضات كالشمس والغروب في آن واحد، حيث تغرق المشاعر في نهر لا قاع له، ويظل الكاتب يبحث عن ضوء ساطع في عتمة الكون المظلم. الأيام في هذا الكتاب لا تمر بانتظام، بل هي أحصنة راكضة تحاول اللحاق بالمستحيل، بينما يقف القدر كمدار يتحكم في مآلات الأمور، تاركاً للإنسان مساحة ضيقة ليسأل ويتأمل ويستوعب وعورة الطريق. يرفض المؤلف الاستسلام لليأس رغم مرارة العنوان، فالزحف نحو الضوء يظل ممكناً طالما أن الروح ما زالت تملك القدرة على النطق والكتابة، فكل حرف يخطه هو مسمار في نعش الصمت الطويل.

يختتم الكتاب رحلته بالتأكيد على أن الانكسار ليس نهاية المطاف، بل هو إعادة تشكيل للوعي، فالحطام الذي يزحف وراءنا قد يكون هو نفسه الوقود الذي يدفعنا نحو فهم أعمق للذات الإلهية وللوجود الإنساني. إنها دعوة لأن نكون أحياءً بكل ما تحمله الكلمة من وجع ودهشة، وألا نصل إلى نهاية الدرب وحقائبنا فارغة من التجارب، فالكتاب الحقيقي هو الذي يسجله المرء بدموعه وعرقه قبل أن يودعه الورق. في "حطام زاحف"، نحن لا نقرأ مجرد خواطر، بل نشهد تفتت الصخر عن نبتة تحاول الصعود نحو السماء، متمسكة بالأمل كخيط رفيع وسط عاصفة لا تهدأ، لتظل الكلمة هي الناجي الوحيد من هذا الخراب الجميل.