خربشات كاتب مجنون

الذاكرةُ خزانٌ عميق، لا تدركُ ما فيه إلا حين تغوصُ في أعماقِه، كمن يغوصُ في بحرٍ موّاجٍ يبحثُ عن لؤلؤةٍ ضائعة. هكذا هي قصصُ معارفي، تتداعى كأمواجٍ متلاطمةٍ فوقَ شاطئِ الروح، تحملُ معها غبارَ الأيامِ ورائحةَ الأماكنِ التي غادرناها. يروي لي أحدهم عن عالمٍ غارقٍ في الديون، شراكاتٌ وهميةٌ تخفي طمعاً أعمى، حتى اختفى الشريكُ تاركاً وراءه متاهةً من الأوراقِ والقانون، ليجدَ بطلُ قصتهِ نفسه خلفَ القضبانِ. بينما يتحدثُ آخرُ عن رجلٍ بدا كأنهُ من أهلِ الدين، لكن خلفَ لحيتِه وقصيرةِ الثيابِ، كانَ يتاجرُ بالآخرينِ في أشدِ الأوقاتِ حاجة. هؤلاءِ ليسوا شخصياتٍ من خيال، بل لحمٌ ودمٌ اختبروا حكمةَ الحياةِ، أو سقطوا في فخاخِها. خربشات كاتب مجنون
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgMMmpW5DK6Lg_gBjhCBqFwxQHkH88jFH2RAA7zZhbIKJJrO9Eb7LZqvyTytwjALANM-b0HcmnmeaL91qxYGexD6qAL_syAt4A2Sg7sDZuquLrm8vG-zeIXyOSBhbkatVqa3tb9tZk4Cd5cGDWM5bO9yXWkko8_Kz82Ebu-Awwb8kOWjuQaz6pQZWyFQNU/s320/202.jpg

الذاكرةُ خزانٌ عميق، لا تدركُ ما فيه إلا حين تغوصُ في أعماقِه، كمن يغوصُ في بحرٍ موّاجٍ يبحثُ عن لؤلؤةٍ ضائعة. هكذا هي قصصُ معارفي، تتداعى كأمواجٍ متلاطمةٍ فوقَ شاطئِ الروح، تحملُ معها غبارَ الأيامِ ورائحةَ الأماكنِ التي غادرناها. يروي لي أحدهم عن عالمٍ غارقٍ في الديون، شراكاتٌ وهميةٌ تخفي طمعاً أعمى، حتى اختفى الشريكُ تاركاً وراءه متاهةً من الأوراقِ والقانون، ليجدَ بطلُ قصتهِ نفسه خلفَ القضبانِ. بينما يتحدثُ آخرُ عن رجلٍ بدا كأنهُ من أهلِ الدين، لكن خلفَ لحيتِه وقصيرةِ الثيابِ، كانَ يتاجرُ بالآخرينِ في أشدِ الأوقاتِ حاجة. هؤلاءِ ليسوا شخصياتٍ من خيال، بل لحمٌ ودمٌ اختبروا حكمةَ الحياةِ، أو سقطوا في فخاخِها.

خربشات كاتب مجنون رواية 202 124 مارس 2019 yes 201091985809 هشام الحمراوي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiWNrpB5QOQzIt6hLEK9Dlxhzaz0Hz83B3lO9rEIxAovSzIyKZBVChl8rYhCzowatl6CtdNwgophAUix312sNkWHO3m84rYod32-r62f4vutXsoQ_7WZA7GTWenCQ7mzK1USKBHggDvaM29bMuBSpeGEi6yCMySRNfmIzCg2aooa7L7OMFKQx1_bF-GQMk/s800/%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A.png

تتداخل خربشات كاتب جمنون، كما يوحي اسمها، لتنسج خيوطاً من الواقع المعاصر، تعكسها تجارب شخصياتها بأقلام هشام الحمراوي. تتدفق القصص كشلال من الذكريات، لا تبحث عن ترتيب زمني بقدر ما تبحث عن لحظة الصدق التي تجعل القارئ يتأمل. يبدأ الكتاب بإهداء يلامس شغاف القلب، يتذكر فيه المؤلف أباه الراحل، ليعلن أن العزاء الوحيد هو اليقين بوجوده بجوار رحمن رحيم. ثم تأتي المقدمة، تلك التي يسميها المؤلف "لا فائدة منها"، لكنها تفتح باباً للحوار مع القارئ، سؤالٌ مباشرٌ يتردد صداه: "تذكرني، أليس كذلك؟". هذا التساؤل هو شرارة تبدأ رحلة استكشاف الذات والعلاقة بين الكاتب وقارئه، علاقة تتجاوز حدود الورق لتلامس خبايا النفس البشرية.

تستحضر الرواية ذاكرة مؤلمة تتجسد في تجربة "منير"، هذا الرجل الذي انساق خلف بريق الثروة السريع، ليجد نفسه في النهاية غارقاً في ديون هائلة. تفاصيل تلك الخسارة تتكشف ببطء، كقصة تحذيرية عن الطمع الذي يعمي الأبصار. فقد كان "منير" يظن أنه يمتلك شركة ناجحة، بينما كانت تدار بذكاء أجنبي ماكر، يسحب الأرباح دون سداد للالتزامات. لم يكن "منير" إلا واجهة، أوراقه الرسمية تحمل اسمه، لكنه لم يكن يملك الحقيقة. حين اختفى الشريك الأجنبي، انكشفت الحقيقة المرة: كل ما يملك "منير" أصبح مرهوناً، حتى أن زوجته اضطرت لبيع كل ما تملك، ولم يكن ذلك كافياً لسداد الديون، فكان السجن هو مصيره. لم يرَ المؤلف "منير" مرة أخرى بعد خروجه من السجن، ربما كبرياؤه أبى عليه مواجهة من يعرفون قصته، قصة ضاعت فيها الأصول أمام لمعان المال.

تنتقل بنا السردية إلى قصة أخرى، قصة "الجِّياللي"، وهي حكاية غريبة تستفز الذهن. يتذكر المؤلف "الجِّياللي" فجأة، كأنه نبش في وحل ذكرياته ليجد هذه الشخصية. تعود بنا الأحداث إلى عام 2008، حين كان المؤلف يعمل في شركة تدير فنادق، وكان "الجِّياللي" مجرد إمام مسجد، يتمتع بعذوبة الحديث، ودماثة الخلق، والمعاملة الحسنة، إلا أن هذه الصورة المثالية تشوهت بسبب "الجِّياللي". تظهر التفاصيل أن "الجِّياللي" كان يتاجر بالدين، يرتدي ملابس قصيرة، ويربي لحيته، لكنه في جوهره كان يبحث عن الربح المادي، يفعل ذلك دون خوف أو حذر.

ثم تعود بنا الأحداث إلى زمن آخر، ربما في محيط سكن المؤلف، حيث يلتقي بحارس للمنطقة. حوار بسيط يكشف عن عمق التجربة الإنسانية، فالرزق لديه أشكال متعددة. الحارس، الذي قضى سنوات طويلة في عمله، يرى أن مكسبه الحقيقي ليس المال، بل ابتسامات السكان، واحترام الناس، والدعوات الصادقة. هذه النظرة الثاقبة للحياة، التي تتجاوز قياس الأمور بالمال وحده، تعكس حكمة مكتسبة من تجربة طويلة. يتحدث الحارس عن طبيعة اللصوص، وعن ضرورة اليقظة، وكيف أن السن له أحكامه. يظل المؤلف ينظر إليه، ويرى فيه أحياناً لمحات من "بن عيسى" حارس آخر، ربما تحمل ذكرياتهما تشابهاً في بعض التجارب.

تتوالى القصص، كل منها يحمل بصمة إنسانية خاصة، تارة تتحدث عن الطمع الذي يعمي، وتارة عن الثقة الزائدة بالنفس التي قد تكون في غير محلها. كل قصة هي مرآة تعكس جانباً من جوانب الحياة، لا تقدم دروساً مباشرة، بل ترسم صوراً تدفع القارئ للتفكير والتأمل. إنها ليست مجرد خربشات، بل هي لوحات مرسومة بكلمات، تحمل عمقاً فلسفياً يلامس الروح، وتتحدث عن مواقف إنسانية لا تموت. المؤلف لا يفرض نفسه على القارئ، بل يدعوه ليشارك في هذه الرحلة، ليجد في تجارب الآخرين صدى لتجاربه الخاصة، وليتساءل عن معنى الحياة، وعن قيمة ما نسعى إليه. هذه الرواية، كأبيات الشعر التي تُقرأ قبل النوم، تمنح القارئ مساحة للتأمل، وترتقي بالمعلومة لتصبح تجربة حية تعاش.