كوفيد التاسع عشر

الشوارع الفارغة في برلين، حيث كان يمكن للطرق المخصصة للدراجات فقط أن تحتضن جموعاً من البشر الممددين على الأرض، يستقبلون أشعة الشمس الباهتة. تباعدوا بمسافة متر ونصف، كلٌّ غارقٌ في عالمه الرقمي، بعضهم يشاهد فيلمًا، وآخرون يستمعون لأغنية. الربيع، بجدته المعهودة، أرسل أقوى شموسه لتعوض الحرمان الشتوي، فتغلغلت أشعتها في جلودنا كالحشرة في الخشب، مسرعةً إيصال فيتامين د. هؤلاء القوم، أمام مبنى الجامعة، افترشوا العشب الأخضر، يمارسون طقوساً تشبه العبادة للشمس، تختلف عن مشاهدات الخليج العربي. ندمت على ارتداء السترة، وبدأت أشعر بمن يشبه المشاهير، مزعجاً في حرارة الجو. كوفيد التاسع عشر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgLkYshPbnoeQqh5hzE72FXzSncbUyCKVNA2Jp0yPlbTRVpB2mwp7Zx34qzaUwO67IQP2HATIhsVX0yimO4TPUI3ssULTI-9eqJdLcEy6truFnBL44wVX02C8aPMke3oYoTAqSx4LMDwMilWJZu-gMKMeQTjeAzFVZBjp9_t2LsgYTLgDh74jsJU71w0c8/s320/466.jpg

الشوارع الفارغة في برلين، حيث كان يمكن للطرق المخصصة للدراجات فقط أن تحتضن جموعاً من البشر الممددين على الأرض، يستقبلون أشعة الشمس الباهتة. تباعدوا بمسافة متر ونصف، كلٌّ غارقٌ في عالمه الرقمي، بعضهم يشاهد فيلمًا، وآخرون يستمعون لأغنية. الربيع، بجدته المعهودة، أرسل أقوى شموسه لتعوض الحرمان الشتوي، فتغلغلت أشعتها في جلودنا كالحشرة في الخشب، مسرعةً إيصال فيتامين د. هؤلاء القوم، أمام مبنى الجامعة، افترشوا العشب الأخضر، يمارسون طقوساً تشبه العبادة للشمس، تختلف عن مشاهدات الخليج العربي. ندمت على ارتداء السترة، وبدأت أشعر بمن يشبه المشاهير، مزعجاً في حرارة الجو.

كوفيد التاسع عشر مذكرات 466 196 أغسطس 2020 yes 201091985809 محمود جابر كاتب أردني https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi0ae9qUw_LFqx-z_mwNaJGk23z3P41dmWLOyXFAQbz1jFdy9OXHpyX2c11qS1Upx5CkFAxvH-VwOpJN_TPhK12DeT0qHCbvaLoLuvI4cBcQt0OPzbRkdNnWCucn6NIS27zpEbUIH8Z-6bLM4Cg5l1jO3VThADsiMekH8x122ajcPaeea_IN-ma727JFfo/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%B1.jpg

تتجسد تجربة العزل المنزلي والتباعد الاجتماعي، التي فرضتها جائحة كوفيد-19، في يوميات محمود جابر، كاشفة عن تحولات عميقة في النفس البشرية. لم تكن الإجراءات مجرد تعليمات صحية، بل أصبحت ثقلاً ملموساً يزن الأفعال والأقوال اليومية، مؤثراً في كل فرد بغض النظر عن مكانته. بدأت هذه الكتابة كاستجابة لطلب، لتتحول إلى تأمل في سلوكيات متكررة، مثل غسل الأيدي المتواصل، والحفاظ على مسافة المتر والنصف، والاهتمام بالنظافة الشخصية.

تستحضر الذاكرة صوراً لحياة سابقة، حيث كان الطريق الضيق للدراجات الهوائية شاهداً على جمال الفراشات، وعلى لحظات الهدوء في القطارات، وعلى إلهام لوحات فنية. هذه الصور تتناقض مع الواقع الجديد، لكنها تحمل في طياتها وعداً بالنجاة والحياة. في ألمانيا، حيث يجد المؤلف نفسه، يتجلى مشهد فريد لأشخاص يستمتعون بأشعة الشمس الربيعية، مستفيدين من فيتامين د. هذا المشهد، الذي يذكر بطقوس عبادة الشمس، يختلف عن تجارب سابقة في الخليج العربي. قوة الشمس المفاجئة دفعت إلى الندم على عدم اختيار الدراجة النارية، وعلى ارتداء سترة أصبحت عبئاً.

تتحول الأيام إلى ما يشبه طقوساً رمضانية، حيث يصبح تدخين السيجارة الأولى بعد الإفطار فرصة للتأمل في المستقبل. تتشكل الصور المستقبلية كأشكال دخانية، تتراوح بين الازدهار والفقر، وتزينها أفخاخ معدنية. يتذكر المؤلف عودة أردنيين إلى وطنهم، لكنه لم يجد نفسه بينهم، ربما بسبب المسافة الشاسعة أو لعدم التقاط الكاميرا له في تلك اللحظة. الحفرة التي أحدثتها الجائحة في المستقبل جعلت ملامحه غامضة، تتجاوز التصنيفات التقليدية.

تُحفز كورونا جهاز التنبؤ لدى البشر، فيتخيلون المستقبل بأشكال متعددة، تتراوح بين التدخلات الطبية الغريبة، والاحتفالات الغريبة، وصولاً إلى تصورات شخصية يشاركها الأصدقاء. كل فرد يرى مستقبله الخاص، مشكلاً لوحة متنوعة من التوقعات. إنها رحلة عبر النفس البشرية في ظل ظروف استثنائية، حيث تتداخل الذكريات مع التوقعات، وتتحول الأفكار إلى صور ملموسة.

تتجسد هذه التجربة في يوميات محمود جابر، كاشفة عن تحولات عميقة في النفس البشرية. لم تكن الإجراءات مجرد تعليمات صحية، بل أصبحت ثقلاً ملموساً يزن الأفعال والأقوال اليومية، مؤثراً في كل فرد بغض النظر عن مكانته. بدأت هذه الكتابة كاستجابة لطلب، لتتحول إلى تأمل في سلوكيات متكررة، مثل غسل الأيدي المتواصل، والحفاظ على مسافة المتر والنصف، والاهتمام بالنظافة الشخصية.

تستحضر الذاكرة صوراً لحياة سابقة، حيث كان الطريق الضيق للدراجات الهوائية شاهداً على جمال الفراشات، وعلى لحظات الهدوء في القطارات، وعلى إلهام لوحات فنية. هذه الصور تتناقض مع الواقع الجديد، لكنها تحمل في طياتها وعداً بالنجاة والحياة. في ألمانيا، حيث يجد المؤلف نفسه، يتجلى مشهد فريد لأشخاص يستمتعون بأشعة الشمس الربيعية، مستفيدين من فيتامين د. هذا المشهد، الذي يذكر بطقوس عبادة الشمس، يختلف عن تجارب سابقة في الخليج العربي. قوة الشمس المفاجئة دفعت إلى الندم على عدم اختيار الدراجة النارية، وعلى ارتداء سترة أصبحت عبئاً.

تتحول الأيام إلى ما يشبه طقوساً رمضانية، حيث يصبح تدخين السيجارة الأولى بعد الإفطار فرصة للتأمل في المستقبل. تتشكل الصور المستقبلية كأشكال دخانية، تتراوح بين الازدهار والفقر، وتزينها أفخاخ معدنية. يتذكر المؤلف عودة أردنيين إلى وطنهم، لكنه لم يجد نفسه بينهم، ربما بسبب المسافة الشاسعة أو لعدم التقاط الكاميرا له في تلك اللحظة. الحفرة التي أحدثتها الجائحة في المستقبل جعلت ملامحه غامضة، تتجاوز التصنيفات التقليدية.

تُحفز كورونا جهاز التنبؤ لدى البشر، فيتخيلون المستقبل بأشكال متعددة، تتراوح بين التدخلات الطبية الغريبة، والاحتفالات الغريبة، وصولاً إلى تصورات شخصية يشاركها الأصدقاء. كل فرد يرى مستقبله الخاص، مشكلاً لوحة متنوعة من التوقعات. إنها رحلة عبر النفس البشرية في ظل ظروف استثنائية، حيث تتداخل الذكريات مع التوقعات، وتتحول الأفكار إلى صور ملموسة.