الكونتيسة

في أواخر القرن السابع عشر، على الضفة الجنوبية لنهر أنفا، حيث تلتقي مياه البحر ببريق النجوم المتناثر، توقفت مجموعة من الجنود البرتغاليين. كان قائدهم، وقد تجاوز منتصف الليل بقليل، يأمر أحصنتهم بالراحة، مستنشقًا هواء المنطقة المنعش. تذكر أوامرهم الصارمة بالتوجه فورًا إلى "كازا برانكا"، المدينة التي باتت تحمل اسم الدار البيضاء. همهمات الجنود لم تكن سوى صدى لاستهزائهم بالأساطير المحلية، حكايات عن جنية تفتك بالرجال. أحدهم، يافعًا، تساءل عن شعور انتزاع روح من جسد، ليجيبه القائد بضحكة ساخرة: "شعور يجب أن تعيشه لتستمتع به". لكن ليل أنفا لم يكن ليحتمل هذا الاستهزاء فحسب؛ ففي كهف قريب، كانت "عائشة"، الكونتيسا، تستيقظ من سبات طويل، تبحث عن الدماء لتعيد قوتها، وتجد في يوسف وحميد، رجلين مسلمين، فريسة أولى. الكونتيسة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhpBT1wy60pTZaH_PUtnsPxjpQBYV47IYI4EDc-65jhTF0aUplbx0lANZER_Pjvc2CMK2YEuvL0GNkOgLLw6kOcgZ8drV8Jzgh1xv45EAaED92_s8h9lX46XiJe6D9dh6164JVHXEfnyAwcG8qU2EeotTsMlfgCEtg9zyP-rfupcUM6DoUAr-by665hKUw/s320/449.jpg

في أواخر القرن السابع عشر، على الضفة الجنوبية لنهر أنفا، حيث تلتقي مياه البحر ببريق النجوم المتناثر، توقفت مجموعة من الجنود البرتغاليين. كان قائدهم، وقد تجاوز منتصف الليل بقليل، يأمر أحصنتهم بالراحة، مستنشقًا هواء المنطقة المنعش. تذكر أوامرهم الصارمة بالتوجه فورًا إلى "كازا برانكا"، المدينة التي باتت تحمل اسم الدار البيضاء. همهمات الجنود لم تكن سوى صدى لاستهزائهم بالأساطير المحلية، حكايات عن جنية تفتك بالرجال. أحدهم، يافعًا، تساءل عن شعور انتزاع روح من جسد، ليجيبه القائد بضحكة ساخرة: "شعور يجب أن تعيشه لتستمتع به". لكن ليل أنفا لم يكن ليحتمل هذا الاستهزاء فحسب؛ ففي كهف قريب، كانت "عائشة"، الكونتيسا، تستيقظ من سبات طويل، تبحث عن الدماء لتعيد قوتها، وتجد في يوسف وحميد، رجلين مسلمين، فريسة أولى.

الكونتيسة نوفيلا 449 76 يوليو 2020 yes 201091985809 هشام الحمراوي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgdiSB2EYLeos_NJZGZJmaIG0bHkIc2fg4Ln0H_CH7ybVaY0sV5YYBPJOBQY8OvyWGyJQhBa9Ue1WRUHtOAKGHh9075DaKUJmWpdIIJauuFY7l8jpPd7VOCf18M2syz_xa5yE0pmnFNNV0SCT2GwMKI8QcTziljrnyAOxbH8PwaB9LwX5HB3DB8NY94ZQM/s800/%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A.png

في ليلٍ مغربيٍّ عتيق، حيث تتراقص نجومٌ باردة على صفحة نهرٍ لا يعكس نور قمرٍ غائب، توقفت خيولُ جنودٍ برتغاليين لا يتجاوز عددهم العشرة. قادهم قائدهم إلى ضفةٍ جنوبيةٍ لنهر "أم الربيع"، قرب "أنفا" التي نعرفها اليوم بالدار البيضاء. الهواء منعش، لكن الأوامر كانت صارمة: التوجه فوراً إلى "كازا برانكا"، الاسم الذي أطلقه البرتغاليون على المستوطنة. همس أحدهم لقائده عن جنيةٍ أسطوريةٍ تفتك برجالهم، فقابل القائد كلامه بسخريةٍ، واصفاً إياها بخدعةٍ من المسلمين، ومراهناً على فصل رأس أيٍّ كان يراها. رد الجندي بفضولٍ طفوليٍّ حول شعور انتزاع الروح، فجاء جواب القائد: "شعورٌ يجب أن تعيشه لتستمتع به".

بعد قرونٍ من ذلك الليل، في كهفٍ موحش، يجد يوسف وحميد نفسيهما وجهاً لوجه مع كائنٍ غريبٍ يسبح في الهواء. أرعبهما المشهد، وظن يوسف أنه يحلم، لكن الغريبة تحدثت بلغةٍ قريبةٍ من العربية، تسأل إن كانا مسلمين. تردد يوسف في الإجابة، فازداد ضيقها، حتى أجاب حميد بصعوبة: "نحن مسلمون". كان هذا الاعتراف بمثابة حكمٍ بالإعدام؛ فالغريبة، التي عرفت نفسها لاحقاً بعائشة، لم يسبق لها أن قتلت مسلماً. حاجتها للدماء لاستعادة قوتها كانت ملحة، وبدأت بقبض رقبة يوسف. صرخ حميد في رعب، لكن عائشة أوقفت فعلتها، متحدثةً عن سبب ظهورها: دماءٌ سقطت على سجنه كانت سبباً في فك أسره. الآن، تحتاج لدماءٍ تقويها لتهرب من "حارن".

هذه الحكاية، التي تتشابك فيها أساطير الماضي مع واقعٍ غامض، تحمل في طياتها عبق التاريخ المغربي، وصراع الحضارات، وربما لمحاتٍ من عالمٍ موازٍ. "الكونتيسة" ليست مجرد قصة، بل هي رحلةٌ عبر الزمن، تستكشف فيها النفس البشرية في مواجهة المجهول، حيث تتداخل الخرافة مع الحقيقة، والخوف مع الشجاعة. إنها دعوةٌ للتأمل في تلك الخيوط الرفيعة التي تربطنا بماضينا، وتلك القوى الخفية التي قد تشكل حاضرنا.

في رحلة يوسف وحميد، نرى كيف يمكن للخوف أن يشلّ الإنسان، وكيف يمكن لموقفٍ عصيبٍ أن يكشف عن معادن النفوس. عائشة، الكونتيسة الغامضة، ليست مجرد وحشٍ متعطشٍ للدماء، بل هي كائنٌ معقد، أسيرٌ لظروفٍ غامضة، يبحث عن الخلاص. قصتها تذكرنا بـ "ألف ليلة وليلة"، حيث تتحول الحكايات الشعبية إلى مرايا تعكس أعمق مخاوفنا وأشواقنا.