قناعة الكلام

ليس هذا الديوان سوى متاهة مضيئة، حيث تتهاوى الحواس أمام نصٍّ لا يمنح القارئ حقَّ الاسترخاء، بل يرميه في قلب الاحتضار اليومي للكلمة. هنا، تغدو القصيدة طقساً تعرِّياً للذات من رداء المألوف، وتنكشف اللغة عن عظامها الصلبة لتروي حكاية الردى الذي ينتفض تحت الضلوع. كل نصٍّ هو شاهدة على انكسارٍ ما، أو عراكٍ مع الغياب، أو مساءلةٍ للرعاة المزيِّفين الذين يملؤون الدنيا وعوداً زائفة. إنها كتابة لا تستجدي الإعجاب، بل تستفز الوعي، وتدعو القارئ لأن يكون شريكاً في البحث عن تلك القناعة المتعبة التي لا تنمو إلا في حقول الأسئلة المفتوحة. من يجرؤ على ولوج هذه العتبة، سيجد نفسه أمام مرايا تكسرت، لكنها ما زالت تعكس وهجاً قادراً على إحراق كل البداهات. قناعة الكلام
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgwJDlf8-wrQQKDt7Crzh5o_1-eq-VZtzhtYhfMHQv8YjqJkXGgrw4eM_CGYpiDNA5tSfHDCuJUdfNlk6BMXOhmhiHSXcH2krznzTvVbNIwM1LalfO9wiV8YKPj9X875laej_DQiX0hq9c-sAV_adOhcYpwAQz8j6TOj6pGuCI_MSq5_Dk5WGEaK9qbCGw/s320/541.jpg

ليس هذا الديوان سوى متاهة مضيئة، حيث تتهاوى الحواس أمام نصٍّ لا يمنح القارئ حقَّ الاسترخاء، بل يرميه في قلب الاحتضار اليومي للكلمة. هنا، تغدو القصيدة طقساً تعرِّياً للذات من رداء المألوف، وتنكشف اللغة عن عظامها الصلبة لتروي حكاية الردى الذي ينتفض تحت الضلوع. كل نصٍّ هو شاهدة على انكسارٍ ما، أو عراكٍ مع الغياب، أو مساءلةٍ للرعاة المزيِّفين الذين يملؤون الدنيا وعوداً زائفة. إنها كتابة لا تستجدي الإعجاب، بل تستفز الوعي، وتدعو القارئ لأن يكون شريكاً في البحث عن تلك القناعة المتعبة التي لا تنمو إلا في حقول الأسئلة المفتوحة. من يجرؤ على ولوج هذه العتبة، سيجد نفسه أمام مرايا تكسرت، لكنها ما زالت تعكس وهجاً قادراً على إحراق كل البداهات.

قناعة الكلام مجموعة شعرية 541 88 مارس 2021 yes 201091985809 كتيل جمال كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhmS7JZgI__dUdn2C_7QkrC0yGXK3ocxljoVsJ-rDNIJ15fBy7nQFcj3YyJuYClM6wYmqFpH8cSiZsLzjbP5N8e8FNkKQ0pMzt0jcdaixh49Zg3iJ02uNeOpS86anVlx7EmBmqU1NDbOdNYzdv9GWyWqSePe0tSAbyflLgWLbqk8k32Dr_VszjPorLLzoQ/s295/%D9%83%D8%AA%D9%8A%D9%84-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84.jpg

يُطلُّ "قناعة الكلام" بوصفه مجموعة شعرية تختار موقعاً وسطاً بين الصرخة والهمس، حيث تتشظى القصيدة لتلامس هشاشة الوجود الإنساني في علاقته بالنص المقدس، والتاريخ المتداعي، والذاكرة التي تنزف من جروح لم تندمل. يبدأ الديوان بإشارة زمنية دقيقة إلى فترة كتابته، بيد أن هذا الزمن سرعان ما يتبخر داخل النصوص التي تصنع سياقها الخاص، سياقاً تتقافز فيه الإشارات من سفر التكوين إلى إنجيل يوحنا، ومن رومية إلى كنعان، مروراً بحراء وببردى، وكأن الشاعر يعيد تشكيل خريطة روحية تلتقي فيها الأمكنة والأزمنة فوق أرض محروقة بالنبوءات.

من هنا، تتجلى أطروحة الديوان في تفكيك فكرة "اليقين" كقناعة كلامية جامدة، واستبدالها بقلقٍ متجددٍ يسكن اللغة ذاتها. إذ إن النصوص تعيد إنتاج صراع قديم: صراع الرعاة والذئاب، الأنبياء والمتنبئين الكذبة، العذارى الحارسات والحشود الآمرة. وهذا الصراع لا ينحصر في بُعده الديني فحسب، بل يمتد ليشمل التمرُّد على كل سلطة رمزية، سواء كانت دينية أو أدبية، حيث تغدو الساحة مكشوفة لاختباراتٍ لا تنتهي، وكلها تدور حول قدرة الإنسان على تلمُّس خلاصه من وحل التكرار والتزييف.

فضلاً عن ذلك، يعمد الشاعر إلى بناء خطابٍ شعري يعتمد على التكثيف، لا على الحكي، فيترك مساحات بيضاء تجعل القارئ مشاركاً في إعادة إنتاج المعنى. غير أن هذه المساحات ليست هروباً من الواقع، بل مقاربة أكثر عنفاً له، إذ تستدعي اللغة هنا مفرداتٍ كالردى والغبار والخراب، لكنها في الوقت نفسه لا تخلو من لمسات نورانية، كالندى والنسمة والمطر. وعلى هذا الأساس، يبدو الديوان وكأنه رحلة بين قطبين متضاربين: الإفك والحقيقة، النهار والليل، الجسد والروح، في محاولةٍ لامتلاك "قناعة" جديدة لا تمنحها الكتب الجاهزة، بل تولد من رحم المعاناة والارتباك.

ثمة تكرار دالٍّ لأسماء وأعلام دينية، كحراء، وبردى، وعائشة، ومرقس، مما يخلق جسراً بين النص الشعري والمرجعيات المقدسة، إلا أن هذا الجسر ما يلبث أن يهتز تحت وطأة الأسئلة المقلقة التي يطرحها الشاعر. فالنصوص لا تقرأ تلك المرجعيات، بل تقاوِمها، أو على الأقل، تعيد صوغها في سياق حداثي يعترف بالغموض، ولا يخجل من الانهزام حيناً، ومن التمرد حيناً آخر. وهكذا، يسير الديوان على حافة التناقض، حيث يتساوى الرفعة والسقوط في مشهدية واحدة، وكأن الشاعر يقول إن الخلاص لا يكون إلا في خضم التمزق ذاته.

وإذا كانت المجموعة تتوسل أسلوباً يميل إلى التكثيف الرمزي والانزياح عن المباشرة، فإنها لا تغفل عن البعد الملحمي، إذ تتكرر فيها نداءات الجماعة، والأمراء، والعذارى، والرعاة، وكأن النص يخاطب مسرحاً كونياً، مسرحاً تتوزع عليه أدوار الخير والشر، والمعرفة والجهل، بلا مسافة فاصلة واضحة بينها. وتزخر القصائد بإحالات إلى الطقس والعيد والمراسم، بيد أن هذه الإحالات تنقلب إلى مهزلة حيناً، وإلى تأبينٍ دراماتيكي حيناً آخر، فلا يبقى سوى ذلك الضجيج الذي يملأ الصفحات، وكأنه عزفٌ منفردٌ على أوتار الهلاك.

إذن، يطرح الديوان سؤال القناعة لا كحالة من الاستسلام، بل كوعيٍ مرٍّ بالحدود القصوى للغة، وكاعتراف بأن الكتابة قد تكون أقرب إلى الشهادة منها إلى الترويح. ومن ثم، يتحول كل نص إلى شاهد على لحظةٍ ما، لحظة لا تخلو من رهبة، لكنها مصنوعة من أديم الأسئلة التي لا تجيب إلا بأسئلة أخرى. وفي هذا، يكمن جوهر "قناعة الكلام": إنها ليست وصولاً، بل رحلةٌ دؤوبة في متاهات المعنى، حيث يظل الردى ماثلاً، والنور متوارياً، والقارئ في مواجهة مباشرة مع ذاته المرتجفة قبل مواجهته مع النص.