صراع في أرض الفيروز

ليست سيناء مجرد رمالٍ تحترق تحت الشمس، بل أرضٌ تختزل في ثناياها تاريخاً من البطولة وأخرى من الغدر. بين غرفة مستشفى بيضاء و معركة في قلب الصحراء، يرسم أحمد الروبي لوحةً صراعيةٍ لا تهدأ، حيث يتقاطع الماضي الإسلامي المجيد مع راهنٍ عربيٍ مثقلٍ بالانكسار. جنديٌّ يستيقظ من غيبوبته ليجد نفسه وجهاً لوجهٍ مع حربٍ لا تنتهي، وإرهابيون يتخفون خلف شعاراتٍ دينيةٍ زائفة، وقبيلةٌ بدويةٌ تعيش على هامش الزمن. غير أن الرواية لا تكتفي برصد المعارك، بل تغوص في أغوار النفس البشرية، وتفتح نوافذَ على حلم الوحدة العربية الذي يتردد كصدىً في رسالةٍ أخيرةٍ يكتبها قائدٌ على مشارف الموت. إنه صراعٌ داخل الصراع، وحكايةٌ تُقرأ كما تُعاش، بكل ما تحمله من ألمٍ وأملٍ وحنين. صراع في أرض الفيروز
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi4grIb79qwPZftIq7SiEGwrCs8sEbCqjzKTbo8F5E_vkyN4gNkjlC67ahZD0FtQXNxm2AyoAeYNzN9emSweqBezMe-UsqeBp6Om3XMhTYV6xfAy42d52xcfK3aruySAqzdYbLTTCpeDZUlN68aJs2k_oKEN_XL4IYo276DF55lWf_30arMiiLPykxDuhQ/s320/520.jpg

ليست سيناء مجرد رمالٍ تحترق تحت الشمس، بل أرضٌ تختزل في ثناياها تاريخاً من البطولة وأخرى من الغدر. بين غرفة مستشفى بيضاء و معركة في قلب الصحراء، يرسم أحمد الروبي لوحةً صراعيةٍ لا تهدأ، حيث يتقاطع الماضي الإسلامي المجيد مع راهنٍ عربيٍ مثقلٍ بالانكسار. جنديٌّ يستيقظ من غيبوبته ليجد نفسه وجهاً لوجهٍ مع حربٍ لا تنتهي، وإرهابيون يتخفون خلف شعاراتٍ دينيةٍ زائفة، وقبيلةٌ بدويةٌ تعيش على هامش الزمن. غير أن الرواية لا تكتفي برصد المعارك، بل تغوص في أغوار النفس البشرية، وتفتح نوافذَ على حلم الوحدة العربية الذي يتردد كصدىً في رسالةٍ أخيرةٍ يكتبها قائدٌ على مشارف الموت. إنه صراعٌ داخل الصراع، وحكايةٌ تُقرأ كما تُعاش، بكل ما تحمله من ألمٍ وأملٍ وحنين.

صراع في أرض الفيروز رواية 520 200 ديسمبر 2020 yes 201091985809 أحمد الروبي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjmWATFirbgUoNzj6gomTBgvvFraOWlUyjJR6PSG9OxWkZxmQIU-CVaEVjG7TAuHljShNDWRvly4OV6OIvO1muXx2F0JuTvwJft3kv_COjAvDKsy09YmBvRsSsjPpfhP2BcCljwvhKQG73KIb4g40gqa1m8nqhycBKkQIq7qnX-12qt-R9qTBycbqawL58/s295/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A.jpg

ينطلق السرد من غرفةٍ بيضاءٍ في مستشفى الشفاء، حيث يستفيق الشاب "عُمر" من غيبوبته بعد شهرٍ من الرقاد، ليكون هذا المشهد الافتتاحي مجرد بوابةٍ لعالمٍ تتشابك فيه خيوط الحرب والذاكرة والعشق. إذ سرعان ما يتحول اللقاء بين عُمر وحبيبته سارة وجده صالح إلى استدعاءٍ لماضٍ مفقود، حين يروي عُمر تفاصيل الحادثة التي أوصلته إلى سريره الأبيض، تلك الحادثة التي تبدأ بكمينٍ إرهابيٍ في العريش، وتنتهي بعمليةٍ عسكريةٍ لتحرير رهائن من قبضة تنظيمٍ إرهابيٍ يقوده رجلٌ يُدعى "أبو عوف". من هنا تنفتح الرواية على فضاءين متوازيين: الأول هو فضاء المعركة المباشر، حيث يقود عُمر فريقاً من القوات الخاصة في سلسلةٍ من العمليات المتصاعدة، بدءاً من اقتحام معسكرٍ في سيناء، مروراً بإحباط سرقة المتحف المصري، وانتهاءً بمواجهةٍ حاسمةٍ في رفح؛ والثاني هو فضاء الاستذكار التاريخي، حيث تستدعي الأحداث سيرة معركة اليمامة وفتح بيت المقدس، كمرايا تعكس واقع التمزق العربي الراهن.

غير أن الصراع في هذه الرواية لا ينحصر في المواجهة العسكرية بين الجيش والإرهاب، بل يتعداه إلى مستوياتٍ أعمق، أبرزها الصراع الفكري حول هوية الإسلام وعلاقته بالعنف. إذ يحرص الكاتب، عبر لسان شخصياته، على التفريق بين الإسلام كدينٍ يدعو للتسامح، وبين التنظيمات الإرهابية التي تتخذ من الشعارات الدينية قناعاً لمشاريعها السياسية. وتبرز هذه القضية بشكلٍ جليٍ في المشهد الذي يستضيف فيه الشيخ سالم، شيخ قبيلة آل عدنان، الفريق العسكري، فيروي قصته مع الإرهاب وكيف استطاع أن يواجهه بمالبس البداوة وأسلحة الصحراء. بيد أن السرد لا يكتفي بهذا الطرح، بل يضيف إليه بُعداً آخر حين يكشف، من خلال اعترافات سيف العدل، عن تورط قوى خارجية في تغذية الجماعات الإرهابية، مستغلةً جراح الشعوب المقهورة لتوظيفها في صراعاتها الجيوسياسية.

على هذا النحو، تتخذ الرواية من سيناء مسرحاً لتجسيد حالةٍ عربيةٍ أوسع، حيث تتردد أصداء الوحدة المفقودة كفكرةٍ مؤرقة تطارد وعي البطل. وفي رسالة عُمر الأخيرة التي يكتبها قبل أن تفقده الذاكرة وتضعه الأقدار في رعاية صيادٍ بسيط، يتوقف الكاتب ليطرح سؤالاً وجودياً حول إمكانية النهوض العربي في ظلّ الانقسامات المذهبية والصراعات الإقليمية. فالعودة إلى التاريخ الإسلامي، سواء في سيرة الخلفاء الراشدين أو في تجربة النبي في توحيد القبائل، ليست مجرد استذكارٍ حنين، بل محاولةٍ لاستلهام نموذجٍ للوحدة يتجاوز الإخفاقات التي شهدتها المشاريع الوحدوية في العصر الحديث. ومع ذلك تظل هذه الرؤية معلقة بين الأمل واليأس، إذ لا تقدم الرواية إجابةً جاهزة، بل تترك القارئ أمام تناقضٍ عميق: بين حلم النهضة الذي ترمز إليه شخصية عُمر، وواقع التشرذم الذي تجسده حكايات الإرهابيين الثلاثة (أبو عوف وسيف العدل ودرع الحق) الذين تحولوا إلى أدواتٍ في أيدي أعداء الأمة.

يقوم البناء السردي على تقنية التضفير بين الماضي والحاضر، حيث تنتقل الكاميرا السردية بين العمليات العسكرية في سيناء، والمقاطع التاريخية التي تستعيد أمجاد الفتوحات، والمشاهد العاطفية التي تجمع عُمر وسارة. غير أن هذه الانتقالات تأتي أحياناً مفاجئة، وكأن الرواية تركض خلف هدفين في آنٍ واحد: توثيق البطولة العسكرية، وطرح رؤيةٍ فكريةٍ للنهضة. وهذا المزج، وإن كان يضفي على العمل طابعاً حماسياً وخطابياً، فإنه قد يشتت الانتباه عن تطور الشخصيات التي تظل، باستثناء عُمر، محكومةً بأدوارها الوظيفية في المعركة. وفي المقابل، ينجح الكاتب في خلق توترٍ دراميٍ ملموس في مشاهد الاشتباكات، وخاصةً في لحظات استشهاد الشخصيات الثانوية مثل زكريا وياسر ومحمد، التي تمنح النص نزعةً إنسانية تخفف من حدّة الطابع الخطابي للعمل. فضلاً عن ذلك، يبرز حضور سارة كامرأةٍ تعيش هاجس الغياب والانتظار، ليكون ذلك بمثابة نافذةٍ على الجانب العاطفي الذي يمنح البطل دافعاً للاستمرار، دون أن يتحول إلى محورٍ مستقلٍ في الحكاية. على هذا الأساس، تظل "صراع في أرض الفيروز" روايةً تقدم نفسها كسجلٍ للألم العربي المعاصر، وتجارب النهوض الفاشلة، وحلم العودة إلى الذات، وإن ظل هذا الحلم معلقاً، كرسالة عُمر، بين ما يُكتب وما يُقرأ.