صدفة

نوافذ الغرف تشبه عيونًا تضيق على العالم، تخشى ضوء النهار. في إحداها، استقرت مليكة، فتاة في الثانية والعشرين، يحيط بها فراش فاخر ووسادة حريرية. جمالها، الذي وهبها إياه القدر، يشي بعينين عسليتين ورموش كليلٍ طويل، وشعر أسود حالك ينسدل على كتفيها، ووجه كالبدر اكتمل، وثغر يضاهي براعم الزهور البرية. أتت بها أختها، والدموع تغمر عينيها، تحكي قصة محاولة انتحار. أهذه الهشاشة الظاهرة سبباً لجذب انتباه طبيب نفسي وحيد في هذا المكان؟ أم أن سحرها، الذي يكمن في وجوه الآخرين، هو ما جعله يخترق غيبوبة اليأس؟ قرر آسر، الطبيب النفسي، أن يستشير زميله محمد، المتخصص في هذه الحالات، ليخطو أولى خطواته نحو فهم أعمق لتلك النفس المعذبة. صدفة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg5vihIJRxkNnnJyqUdhzLUO9BbfwxkjhOgwpDt6pjLDjOg6n9jX8yBlYKRTfnK4Lt7UevQrMBFTwm_Vecqh5cgADBKzCgCGVka3B944ciGPCx65PllZLREHbYx037gblItLp7Wax7WgxhWfDwBzjhqXIIkVUoIpwyDauUqesZF6BXAfSu6kWb9Blgl4gI/s320/392.jpg

نوافذ الغرف تشبه عيونًا تضيق على العالم، تخشى ضوء النهار. في إحداها، استقرت مليكة، فتاة في الثانية والعشرين، يحيط بها فراش فاخر ووسادة حريرية. جمالها، الذي وهبها إياه القدر، يشي بعينين عسليتين ورموش كليلٍ طويل، وشعر أسود حالك ينسدل على كتفيها، ووجه كالبدر اكتمل، وثغر يضاهي براعم الزهور البرية. أتت بها أختها، والدموع تغمر عينيها، تحكي قصة محاولة انتحار. أهذه الهشاشة الظاهرة سبباً لجذب انتباه طبيب نفسي وحيد في هذا المكان؟ أم أن سحرها، الذي يكمن في وجوه الآخرين، هو ما جعله يخترق غيبوبة اليأس؟ قرر آسر، الطبيب النفسي، أن يستشير زميله محمد، المتخصص في هذه الحالات، ليخطو أولى خطواته نحو فهم أعمق لتلك النفس المعذبة.

صدفة نوفيلا 392 148 يناير 2020 yes 201091985809 ملك حسام كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjfSRCpsA_gUJ6H5l4dob9EfJ8dLHvPU5sDzYpDIzG0Oo7s7WaG5chTeDFhLJ3_r7yWPnAxKSKpD70mwJtB8k6aqu1CRqL5w42cW5zYgGyGYJcJkjOpi1vzQt6v9ldNHMzLk_m6g0y7VZDMI7wARzEVqj6H8TIfdjuusJAg5DOzinJbgtyq5tTjHrx1Bok/s295/%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85.jpg

مليكة، تلك الفتاة التي لم تبلغ سوى اثنين وعشرين ربيعاً، تستلقي فوق سريرها الخشبي في الغرفة رقم خمسة، كأنها لوحة كلاسيكية لفتاة المها التي سكنت قصائد الجاهليين، بوجهها الذي يستعير بياض الثلج واستدارة البدر في ليلة تمامه. لم تكن جدران المستشفى الصماء، ولا الستائر التي تحجب خيوط الشمس، لتخفي جمالها العسلي الممزوج بمرارة اليأس، فهي لم تأتِ هنا باحثة عن دواء لجسدها، بل لجرح في الروح دفعها لمحاولة الانتحار، تاركة خلفها شقيقتها جميلة تغرق في دموعها. يراقبها آسر، الطبيب النفسي الذي وجد نفسه مسحوراً بحضورها، ليس فقط لجمالها الذي يضاهي الزهور البرية، بل لأنها حركت في داخله ركوداً لم يعهده من قبل. يطرح آسر على زميله محمد أسئلة تتجاوز حدود التقارير الطبية، فثمة خيط خفي بدأ يربطه بمليكة، خيط يتجاوز البروتوكولات العلاجية إلى منطقة رمادية تقع بين الشفقة والدهشة والشغف، مما جعله يرفض عطالته الرسمية ليعود إلى مكتبه، هرباً من وحدة تقتله ومن تلفاز لا يشاركه سوى الصمت.

يتحرك آسر في ردهات المستشفى كمن يبحث عن ضالته في قصيدة ضائعة، وهو الذي يكتب الشعر حين يضيق به العالم، ليجد أن كلماته المكتوبة على الورق قد صارت هدفاً لمليكة التي تفتش عنه في غيابه. يدرك القارئ هنا أن العلاقة بين الطبيب والمريض ليست سوى مرآة مهشمة، فآسر الذي يحاول إصلاح ما أفسدته الدنيا في نفوس الآخرين، يقف عاجزاً أمام تصدعات روحه الشخصية، ويجد في عم مصطفى، ذلك العجوز الحكيم، صوتاً للضمير والذكرى. تتشابك الخيوط حين تغادر مليكة المستشفى دون إذن تشخيصي نهائي من آسر، فيشعر بفراغ كوني يملأ مكتبه، كأنما سُحبت الروح من المكان برحيلها. يرتد آسر إلى ذكرياته، يزور قبور أحبته، ويستنشق رائحة الغائبين في محاولة لاستعادة توازنه، لكن نداء العمل والمسؤولية يعيده دائماً إلى تلك البقعة التي شهدت لقاءه الأول بمليكة، حيث تتصارع الأرواح الباحثة عن الخلاص والسكينة.

القدر ينسج خيوطه في ممرات المستشفى حين تعود مليكة، فتجد نفسها في مواجهة مع "رؤى" داخل مكتب آسر، وهو لقاء مشحون بالغيرة والتوتر يذكرنا بصراعات بطلات دوستويفسكي اللواتي يحملن قلوباً من نار وخوف. تجلس مليكة تتصفح دفتر أشعار الطبيب، مستبيحة خصوصيته الأدبية كما استباح هو خصوصيتها النفسية، لتنفجر مواجهة كلامية حادة بينها وبين رؤى التي لم تتحمل وجود الغريبة في حيز آسر الخاص. يقتحم آسر وعم مصطفى المشهد على وقع الصراخ، ليجد الطبيب نفسه حكماً في قضية هو طرفها الخفي، فيصرخ لفرض الهدوء، مدركاً أن الفوضى الحقيقية ليست في الغرفة، بل في المشاعر المتضاربة التي بدأت تطفو على السطح. إنها "صدفة" كما عنونت ملك حسام عملها، لكنها الصدفة التي تضع الإنسان أمام مرآة نفسه، حيث لا يفرق الجرح بين طبيب ومريض، وحيث يظل الحب هو المحاولة الأخيرة والوحيدة للنجاة من مقصلة الانتحار أو جنون الوحدة.

تنتهي الحكاية في هذا الجزء تاركة خلفها تساؤلات حول طبيعة الشفاء، فهل كان آسر يداوي مليكة أم كانت هي التي تخرج قصائده من درج المكتب إلى نور الحياة؟ إن اللغة الرقيقة التي وصفت بها الكاتبة ملامح مليكة، والشعر الذي يتخلل السرد، يجعلنا نؤمن مع الفيلسوف نيتشه بأن الفن وجد لكي لا تميتنا الحقيقة. في هذه الرواية، الحقيقة هي الألم، والفن هو ذلك اللقاء العابر الذي يتحول إلى مصير، والشفاء ليس في العقاقير، بل في القدرة على قراءة قصيدة في لحظة انكسار. تظل الشخصيات تدور في فلك المستشفى، ذلك المكان الذي يختصر العالم في غرف مرقمة، حيث يكتشف الجميع أن القلوب المحطمة لا تحتاج إلى جراحين، بل إلى رفقاء يتقنون فن الاستماع للصمت قبل الكلام.