متاهات الحجرة المغلقة

تعبث الغرفة المغلقة بألوانها، تتقاطع فيها الظلال وتهرب منها الأضواء. تتلاشى الوجوه خلف عدسات كاميرات لا تلتقط سوى شبح الحقيقة، بينما تتصاعد همسات في الشارع تتشظى على ضجيج السيارات. يبدأ كل شيء من نقطة صغيرة، مجرد بداية لما نود قوله، لتتسع المتاهات وتتشعب. في زواياها، تتطاير التفاحات الحمراء كجروح على الرصيف، وتُنسج بين أقدام المارة شباك قدر لا نراها إلا حين نسقط. هنا، يصبح الصوت أداة للتخفي، والصورة مرآة كاذبة، والحقيقة مجرد وهم يتسلل من فتحة ضيقة في جدار الأيام. تتشابك الحيوات كخيوط متشابهة، لتفاجئنا بلقاءات مفاجئة، كأنها مواعيد مرسومة سلفاً في هذا المسرح العبثي. متاهات الحجرة المغلقة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj14h-x8SUyhuop7ka5jH4r8cgTiMDNWh9DHm5MQAYTxK_KscKoetGNFENyITRCisdNW2atmdO4EZ2wdo0CAEmkGYnw99N0wUN3J_BJ_pnVk897AN59S3bOE7vNetipPi7ACK62pkEfGHZf93EEdeeNuMnhoyvqvxiOvUb8v77TaTNpSwiAANXYD1OG-Rk/s320/347.jpg

تعبث الغرفة المغلقة بألوانها، تتقاطع فيها الظلال وتهرب منها الأضواء. تتلاشى الوجوه خلف عدسات كاميرات لا تلتقط سوى شبح الحقيقة، بينما تتصاعد همسات في الشارع تتشظى على ضجيج السيارات. يبدأ كل شيء من نقطة صغيرة، مجرد بداية لما نود قوله، لتتسع المتاهات وتتشعب. في زواياها، تتطاير التفاحات الحمراء كجروح على الرصيف، وتُنسج بين أقدام المارة شباك قدر لا نراها إلا حين نسقط. هنا، يصبح الصوت أداة للتخفي، والصورة مرآة كاذبة، والحقيقة مجرد وهم يتسلل من فتحة ضيقة في جدار الأيام. تتشابك الحيوات كخيوط متشابهة، لتفاجئنا بلقاءات مفاجئة، كأنها مواعيد مرسومة سلفاً في هذا المسرح العبثي.

متاهات الحجرة المغلقة مجموعة قصصية 347 88 ديسمبر 2019 yes 201091985809 هشام وهبي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhj3ANgVyA27pwVCCrDQALsUk3vqd2rO30jHffZN5jAaHTeuKM_92CaxEQ22Pj9rAx1Kt4KZT14k3rwpDrfytPiKufgduJlQWzO5WajuU71tDi9G9i5EzVsjowPVXVgiJG6BTZnYb_WEFXztFw4PeYL3bO-0c_ksT7TLpd0OtVdD9aCLOxavqtcngP-yeY/s295/%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85-%D9%88%D9%87%D8%A8%D9%8A.jpg

يفتتح هشام وهبي مجموعته القصصية "متاهات الحجرة المغلقة" بمرثية كافكاوية مقتضبة، تعلن منذ العتبة الأولى أن الكتابة ليست وصولاً، بل هي تورط مستمر في بدايات لا تنتهي. ينسج الكاتب في هذه المجموعة، الصادرة عن دار لوتس، عوالم تتأرجح بين الواقع الملموس وهلوسات الذات المحبوسة في غرفها المادية والنفسية. تبدأ الحكايا من مشهد فوتوغرافي بسيط، حيث يقف البطل أمام عدسة المصور، لكن الضوء الخاطف لا يثبت ملامحه، بل يثير ارتياباً وجودياً يحول الصورة إلى مرآة كاذبة. إنها تيمة التلاشي التي تلاحق شخوص وهبي؛ أولئك الذين يبحثون عن ذواتهم في تفاصيل يومية رمادية، فيجدون أنفسهم عالقين في "متاهة" لا يسكنها سوى الصدى والظلال المريبة.

تتحرك نصوص المجموعة برشاقة توحي بالبساطة، لكنها تخفي تحت جلدها توتراً درامياً يشبه ما وصفه الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي في رحلته نحو أعماق النفس البشرية. في إحدى القصص، يطارد البطل ببيناً من القلق، يراقب امرأة غريبة تهمس بكلمات مبهمة في هاتفها المحمول، فتتحول تلك الهمسات إلى كابوس يطارد يقينه الهش. "كن مطمئن البال سيدي"، عبارة بريئة في ظاهرها، لكنها في مختبر وهبي القصصي تصبح سكيناً يمزق سكون الشارع وضجيج السيارات. الكاتب هنا لا يسرد أحداثاً، بل يرسم حالات شعورية مكثفة، حيث يتحول عرق الجبين واختباء الجسد خلف جذع شجرة إلى تجسيد مادي للخوف من المجهول، ومن الرقابة التي لا نراها ولكننا نشعر بأنفاسها على رقابنا.

تنتقل السردية من ضيق الغرف إلى اتساع الشوارع المربكة، حيث تفقد الأشياء منطقها المعتاد. نجد البطل يلهث خلف طيف، يركض في سباق محموم مع الرغبة والفضول، ليتعثر بقشرة موز أو بوق سيارة، في مشهد يمزج بين التراجيديا والكوميديا السوداء. إن الرغبة في اللحاق بـ "الآخر" —سواء كان امرأة أو فكرة أو مجرد قطة ناعمة الملمس— تنتهي دوماً باصطدام خشن بالواقع. الجمال في هذه القصص يكمن في تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه يعرقل حركة المرور بينما كان يظن أنه يطارد حلمه الخاص. الكاتب يبرع في التقاط هذه المفارقات، محولاً السقوط على الرصيف إلى فعل تأملي، والفرار من الشرطي إلى رحلة نحو اكتشاف الملمس الناعم للحياة في أبسط تجلياتها.

تتجلى فلسفة المجموعة في مشهد اللوحة المثبتة في ممر المعرض؛ زنزانة مظلمة وخالية يتسلل إليها خيط من الضوء. هذه الصورة هي الجوهر الذي يربط شتات القصص ببعضها. الإنسان عند هشام وهبي سجين دائم، سواء كان سجنه غرفة تصوير، أو شارعاً مزدحماً، أو ذاكرة مثقلة بالصور المشوهة. لكن هذا السجن ليس مغلقاً بإحكام؛ ثمة دوماً ثقب ينفذ منه الضوء، وثمة دوماً "مياو" رقيقة تنتظر في نهاية الشارع لتمنح المتعبين لمسة من الألفة بعد رحلة الهروب الطويلة. اللغة هنا لا تبحث عن الزخرف، بل هي لغة مشهدية بامتياز، تعتمد على حركة الجسد، وتغير ملامح الوجه، وأصوات المدينة التي تتحول من ضجيج مزعج إلى سيمفونية من القلق الوجودي.