سرطانية

ليست روايةٌ تُروى، ولا قصةٌ تُحكى، بل نبضُ فتاةٍ في بواكيرِ عُمرها، حين يطرقُ الداءُ العتيقُ أبوابَ الروحِ والجسدِ معاً. "سرطانية" ليست مجردَ عنوان، بل هي صرخةٌ مكتومة، ومشهدٌ تختلطُ فيهِ آلامُ الحقيقةِ بأطيافِ الخيال. تفترشُ الكاتبةُ رانيا إبراهيم خليفة صفحاتِ الكتابِ بصِدقٍ جارح، لتُلقي بنا في جَوفِ المعركةِ التي تخوضُها بطلةٌ افتراضية، وإن كانت تلامسُ واقعَ كثيرين. هي رحلةٌ في دهاليزِ الخوفِ والألم، حيثُ يصبحُ اليقينُ هو العدوُ اللدودُ للأمل، وتُصبحُ مواجهةُ المجهولِ هي الفعلُ الوحيدُ المتاح. هذا الكتابُ كشفٌ عن هشاشةِ الإنسانِ أمامَ قوَّةِ الطبيعةِ الشرِسة، ورسمٌ بفرشاةٍ صادقةٍ لأعراضِ المرضِ الذي يلتهمُ الحياةَ ببطء. سرطانية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjuQYHt0WhvFIdPdkD1GMlJsUVSkBmPTLBdRzVMnhsaIxVVdEDW7hVunM-LIqKcOgxza0j7W5RY-_lo7F_qkqck3vMRTzBYysSuWas-eY6ojYp1Nk1KG1qDDI8yjUdYPdzBV3FYdW4u7LiprYDq11jxjlwsXKo5CgV47rVc5ces3xgb-7Jv4_UprDiclHQ/s320/264.jpg

ليست روايةٌ تُروى، ولا قصةٌ تُحكى، بل نبضُ فتاةٍ في بواكيرِ عُمرها، حين يطرقُ الداءُ العتيقُ أبوابَ الروحِ والجسدِ معاً. "سرطانية" ليست مجردَ عنوان، بل هي صرخةٌ مكتومة، ومشهدٌ تختلطُ فيهِ آلامُ الحقيقةِ بأطيافِ الخيال. تفترشُ الكاتبةُ رانيا إبراهيم خليفة صفحاتِ الكتابِ بصِدقٍ جارح، لتُلقي بنا في جَوفِ المعركةِ التي تخوضُها بطلةٌ افتراضية، وإن كانت تلامسُ واقعَ كثيرين. هي رحلةٌ في دهاليزِ الخوفِ والألم، حيثُ يصبحُ اليقينُ هو العدوُ اللدودُ للأمل، وتُصبحُ مواجهةُ المجهولِ هي الفعلُ الوحيدُ المتاح. هذا الكتابُ كشفٌ عن هشاشةِ الإنسانِ أمامَ قوَّةِ الطبيعةِ الشرِسة، ورسمٌ بفرشاةٍ صادقةٍ لأعراضِ المرضِ الذي يلتهمُ الحياةَ ببطء.

سرطانية رواية 264 76 أغسطس 2019 yes 201091985809 رانيا إبراهيم خليفة كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg_Q1IqNT5gQ-urWHI_Iv5GWgucRRh2dARwG6x6K1AD1Ew86PWYeiqhTymFkKAyMdRhSvvzEgBTuXqNIkggyYeienPL2i0T4DeU4RrU23HuAVvpdKBn1s5PxvEhEGist-kbq8x6TNVU80ju8H3hHkUls-CPXEORyGBEoBUiIoTRDBwjkDsXT5klZLiY6oI/s800/%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9.jpg

جسدٌ غضّ في العشرين، يرتجفُ أمام ورقة طبية صغيرة تحمل بين طياتها حكماً يشبه النفي من جنة الطمأنينة إلى جحيم القلق. هكذا تبدأ نوفيلا "سرطانية" للكاتبة رانيا إبراهيم خليفة، حيث تفتح الستارة على مشهد إنساني يختزل صراع الكائن مع فنائه المفاجئ. تبدأ الحكاية بوخز غريب، ألم لم يعهده الجسد من قبل، يتحول في لحظات من مجرد هاجس شيطاني أو وهم عابر إلى يقين بارد يسكبه الطبيب بملامح عابسة وصوت يفتقر إلى البشارة. إنها اللحظة التي وصفها الفيلسوف ميشيل فوكو بأنها اللحظة التي يصبح فيها الجسد "مكاناً للمراقبة"، حيث يتحول الكيان الإنساني من فاعل في الحياة إلى مفعول به في سرير الفحص. تخبرنا الكاتبة أن هذه التجربة ليست سيرة ذاتية بالمعنى الحرفي، بل هي "خواطر لحالة خيالية"، لكنها في جوهرها تلامس وجعاً واقعياً ينهش آلاف الأجساد الصامتة.

تتصاعد الدراما النفسية حين يطرح الطبيب خياراته القاسية، فالعلاج ليس نزهة، والاستئصال يلوح كشفرة مقصلة تنتظر دورها خلف الباب. هنا، لا تعود المعركة طبية فحسب، بل تتحول إلى صراع عاطفي مرير تقوده الفتاة مع فكرة "الأم". يظهر الحب في النص كقيد ودرع في آن واحد؛ فهي ترفض أن تشرك والدتها في هذه "المغامرة الشرسة"، تخشى على نبض الأم من التوجع، وتأبى أن يرى قلبها وهن الابنة التي كانت دائماً مبعث فخرها. هذا الانعزال الاختياري يضع القارئ أمام تساؤل وجودي حول ماهية الشجاعة؛ هل هي في المواجهة العلنية أم في الانكفاء على الألم لحماية من نحب؟ إنها تختار البقاء وحيدة، تغسل وجهها بالدموع وتناجي الخالق في عتمة الليل، في مشهد يذكرنا بصلوات النفوس المعذبة التي لا ترجو سوى العودة إلى عافية كانت قبل أيام قليلة حقاً مكتسباً لا تدرك قيمته.

تنتقل اللغة في العمل من السردي الهادئ إلى الإيقاع الجنائزي العنيف حين تصف الفتاة المرض بـ "الرصاص الذي لا يرحم". تصف السرطان بأنه ذلك الزائر العابث الذي يدخل الأجساد بلا استئذان، غايته الأسمى هي التدمير والانتصار على الساكن حتى يحيله جثة بالية. هذه الاستعارة القوية تعكس حجم الغضب الإنساني تجاه العجز، وتجسد لحظة المواجهة الحتمية بين عالمين: عالم الحياة المثقل بالأمل، وعالم الآخرة الذي يلوح في الأفق كرفيق أخير. الكتاب إهداء لكل فقيد سقط في هذه الحرب غير المتكافئة، لكنه أيضاً صرخة للمقاومة. تسأل البطلة نفسها بصوت مسموع: هل سأنتصر أم أفنى ضحية؟ هذا السؤال هو المحرك الفعلي لكل جملة في النص، حيث يتحول البحث عن الشفاء إلى رحلة استكشاف لجوهر الروح وصبرها أمام المحن.

يأتي العمل ضمن مشروع "النشر الحر" لدار لوتس، معبراً عن صوت أدبي يحاول أن يمنح الألم صيغة جمالية، ويحول الأنين إلى نص مقروء. إن "سرطانية" ليست مجرد حكاية مرض، بل هي مرآة تعكس هشاشة الإنسان وقوته في آن واحد. تنتهي الحكاية دون وعظ مباشر، تاركة القارئ أمام صورة تلك الفتاة التي تقف على الحد الفاصل بين الوجود والعدم، متسلحة بالرجاء والبحث عن الفحص الباكر الذي تصفه المقدمة بأنه السلاح الأهم للقضاء على هذا "العدو اللعين". الدرس هنا يكمن في تلك النبضة التي ترفض الاستسلام، وفي تلك الدموع التي رغم غزارتها، لا تزال تبحث عن طريق للعودة إلى شمس العافية. إنها دعوة للتأمل في قيمة اللحظة العابرة التي نعيشها قبل أن تباغتنا الأوجاع التي لا تستأذن أحداً.