مسامير الجوع

"مسامير الجوع" ليست مجرد مجموعة قصصية، بل هي صرخةٌ في جدارِ الفقرِ الرفيع. هنا، يُمسكُ محمد عبد النعيم بالقلمِ كما يُمسكُ الفلاحُ بفأسِه، ليحفرَ في وجعِ البسطاءِ قصصاً لا تنسى. من "عبد العاطي" الذي ينتزعُ مساميرَ الجوعِ من بطونِ عيالهِ بصعوبة، إلى "عم أمشير" الذي يحرسُ حمارتَه من نداءِ الغريزةِ كأنه يحرسُ شرفه، ومن مغامراتِ "عودين قصب" التي تختصرُ لهفةَ الطفولةِ في مواجهةِ الخوف، إلى مآسي "مظلوم" الذي دفنَ حقهُ تحتَ تهمةٍ ملفقة. بأسلوبٍ واقعيٍّ حادٍ، يرصدُ الكاتبُ حياةَ الناسِ في قرى مصرَ، حيثُ يختلطُ الجوعُ بالكرامةِ، وتصبحُ لقمةُ العيشِ معركةً يوميةً لا هوادةَ فيها. هنا، الكوميدياُ سوداءُ، والتراجيدياُ عارية، والقصصُ كمرايا تعكسُ مجتمعاً يصرُّ على الحياةِ رغمَ كلِّ شيء. إنه كتابُ كلِّ منْ يعرفُ أنَّ الجوعَ مسمارٌ يغزُو الجسدَ، لكنّ الحياةَ مسمارٌ آخرُ يبقيهِ واقفاً. مسامير الجوع
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiXGTadykgDodhyujWPSyCQMUDPknY0lxO9uUqURZP2fP9p7Kap1_Qll1Srmfn1Sn-FOPEgAYXx4ybGSnYoQpoZHEQ9XRZe2VBDZT5xApK7gvRMA9VvUVS94kzs_xyg7IDJ98UpJFuK6sl-8sbGkejhN9CLljxSBNfRfCfwrk5paWE_sdSqsAUDXJr7qxA/s320/701.jpg

"مسامير الجوع" ليست مجرد مجموعة قصصية، بل هي صرخةٌ في جدارِ الفقرِ الرفيع. هنا، يُمسكُ محمد عبد النعيم بالقلمِ كما يُمسكُ الفلاحُ بفأسِه، ليحفرَ في وجعِ البسطاءِ قصصاً لا تنسى. من "عبد العاطي" الذي ينتزعُ مساميرَ الجوعِ من بطونِ عيالهِ بصعوبة، إلى "عم أمشير" الذي يحرسُ حمارتَه من نداءِ الغريزةِ كأنه يحرسُ شرفه، ومن مغامراتِ "عودين قصب" التي تختصرُ لهفةَ الطفولةِ في مواجهةِ الخوف، إلى مآسي "مظلوم" الذي دفنَ حقهُ تحتَ تهمةٍ ملفقة. بأسلوبٍ واقعيٍّ حادٍ، يرصدُ الكاتبُ حياةَ الناسِ في قرى مصرَ، حيثُ يختلطُ الجوعُ بالكرامةِ، وتصبحُ لقمةُ العيشِ معركةً يوميةً لا هوادةَ فيها. هنا، الكوميدياُ سوداءُ، والتراجيدياُ عارية، والقصصُ كمرايا تعكسُ مجتمعاً يصرُّ على الحياةِ رغمَ كلِّ شيء. إنه كتابُ كلِّ منْ يعرفُ أنَّ الجوعَ مسمارٌ يغزُو الجسدَ، لكنّ الحياةَ مسمارٌ آخرُ يبقيهِ واقفاً.

مسامير الجوع مجموعة قصصية 701 124 نوفمبر 2022 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiFpSGCRF5FRD86cfUBPFw29N3xSw-KpkC623ccGWdASm4NKqfQyhIzAHMxioC338s-3lv1SnfsZwNDr3pGPecYyYeUBNfpW4MeQ25sXiAVDB1JAG2o_tb9qeTQGEJ4gVXsYSAKnBWjSo7OnOjG6W73Rrt1ukBUnz7VTUxUpyR-v0wqj56m8d1fCvvj3zA/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

"مسامير الجوع" عملٌ قصصيٌّ واقعيٌّ يتغلغلُ في عوالمِ الفقرِ والكفاحِ اليوميّ في ريفِ مصرَ، حيثُ يصبحُ الصراعُ على قوتِ اليومِ هو المحورَ الذي تدورُ حوله حياةُ الشخصيات. يفتتحُ عبد النعيم مجموعتَه بقصةِ "عبد العاطي الصياد"، ذلك الرجلِ الذي يكدُّ من الفجرِ حتى المساءِ ليُطعمَ عيالَه وزوجتَه، فتظلُّ "مساميرُ الجوع" مغروزةً في بطونهم، ولا تُنزعُ إلا بمعونةٍ عرضيةٍ من "الحاج وزيري"، التي تتحولُ إلى فرصةٍ لفتحِ محلٍّ صغير، سرعانَ ما يلتهمه الحريقُ مع بصرِ صاحبه. هذه القصةُ المؤسسةُ تضعُ النغمةَ الأساسيةَ للكتاب: صورةُ حياةٍ قاسيةٍ لا تمنحُ أحداً فرصةَ التوقف، وتعكسُ هشاشةَ الحلمِ في مواجهةِ الواقعِ المتوحش.

من هنا، تتفرعُ القصصُ لتستكشفَ وجوهاً أخرى للجوعِ والفقرِ، ليس الجوعَ الماديّ فحسب، بل جوعَ النفسِ والكرامةِ أيضاً. نقرأُ عن "عم أمشير" الذي يحولُ دونَ تزويجِ حمارتهِ وكأنه يحافظُ على شرفه، وعن "عطية وأبوراس" وصراعِهما على طاولةِ القمار الذي ينتهي بدماءٍ وعِبرٍ، وعن "حربي" الرجلِ الأبلهِ الذي يصبحُ أداةَ تسليةٍ ومصدرَ إحراجٍ رغمَ براءته، وعن "مظلوم" الذي يُلفقُ له اتهامٌ بزراعةِ البانجو كي يستولي العمدةُ على أرضه، ليموتَ في السجنِ دونَ أن يناله حقٌ. كلُّ هذه الشخصياتِ تروي بؤسَها بلغةٍ عاميةٍ حادةٍ، تنقلُ واقعَ القرى بصدقٍ لا يخلو من سخريةٍ مرة.

أسلوبُ عبد النعيم يعتمدُ على الحوارِ الطويلِ والوصفِ التفصيليِّ المكثف، مما يمنحُ النصوصَ طابعاً سينمائياً، ويجعلُ القارئَ يعيشُ داخلَ الحكاية، يرى الغبارَ ويسمعُ النهيقَ ويشمُّ رائحةَ الطبخِ الفقير. غيرَ أنَّ هذا التطويلَ نفسه، مع براعته، قد يرهقُ أحياناً وتتشتتُ فيه الخيوطُ السرديةُ، لكنه في المقابل، يضفي على كلِّ قصةٍ عمقاً إنسانياً يجعلُك تتعلقُ بأبطالها رغمَ هشاشتهم. هنا، الجوعُ ليس مجردَ معاناةٍ بيولوجية، بل هو كيانٌ اجتماعيٌّ ونفسيٌّ يَشكلُ العلاقاتِ بينَ الناسِ، ويدفعُهم أحياناً إلى التضامن، وأحياناً أخرى إلى التناحرِ والخيانة.

من خلالِ قصصِه، يطرحُ الكاتبُ أسئلةً صامتةً عن العدالةِ والكرامةِ ومصيرِ الضعفاءِ في مجتمعٍ يحكمه الأقوياءُ والعمدةُ والتُّجار. يظهرُ هذا بوضوحٍ في قصةِ "مظلوم" التي تُلخّصُ مأساةَ استغلالِ السلطة، وفي قصةِ "الخطيب" التي تسخرُ من طموحِ العمدةِ في التسلطِ حتى على المنابرِ الدينية. الكوميدياُ في هذهِ القصصِ ليستْ هدفاً، بل أداةُ نقدٍ لاذعةٍ تكشفُ الوجهَ القبيحَ للجشعِ والتفاهة.

في جوهرِه، "مسامير الجوع" ديوانُ ألمٍ واعٍ، يرفضُ أنْ يكونَ الفقرُ مجردَ إحصاءاتٍ أو مشهداً عابراً، بل يصرُّ على سرده كجحيمٍ يوميٍّ يعيشهُ البشرُ بلحمِهم ودمِهم. القصصُ لا تقدمُ حلولاً أو عزاء، بل ترسمُ عالماً يتشبثُ أبطالُهُ بالحياةِ رغمَ كلِّ شيء، حتى لو كانوا يموتونَ أو يُهزمونَ في النهاية. هذا العالمُ الريفيُّ، بكلِّ وجوههِ القاسيةِ والطريفةِ معاً، يخرجُ من هذهِ الصفحاتِ حياً ونابضاً، ليبقى في ذاكرةِ القارئِ كتذكيرٍ بأنَّ الجوعَ يغزو البطونَ، لكنَّ الحياةَ تغزو كلَّ شيء.