إلى ما لا مآل

هناك سكك حديدية لا تقود إلى محطة، وقطارات لا تحمل راكباً، وسجون لا أبواب لها سوى أشواك الصبار. في هذا العالم الموحش، يستيقظ بطل الرواية عارياً على قضبان حديدية، دون ذاكرة تذكره باسمه أو ماضيه، ليجد نفسه في مواجهة قطارات مسرعة لا سائق لها، ونباتات صبار تمزق جسده وتغذيه في آن، وأسواراً شامخة تعصي التسلق. كل محاولة للنجاة تنتهي به إلى فخ جديد، وكل خطوة نحو الخارج تكشف عن دوائر أوسع من العزلة والوحشية. رواية "إلى ما لا مآل" ليست مجرد حكاية بقاء، بل تأمل وجودي في دهاليز العقل البشري، حيث تصير القطارات رمزاً للقدر المتكرر، والصبار استعارة للألم الذي يتحول إلى مصدر حياة. حين يقرر البطل الانتقام، يكتشف أن تمرده قد يهدم عالماً بأكمله. إلى ما لا مآل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjX79kSI6t90M7MNZJKr4_FDBmKNjmGS350CwbP6bUDv3uprLyklN-vDNNrItSAUeec53amUJU26bGMHNDRxrZK3gLq0RPbViCKh9ihXS_i9IXsrl0Nr3kSCMliZHu_TBp6hZYPSIohIMLD8CHRLD-yRuIZ0P_C-AhHjOgazevtMSYFLmqX-y22AUxlyuo/s320/649.jpg

هناك سكك حديدية لا تقود إلى محطة، وقطارات لا تحمل راكباً، وسجون لا أبواب لها سوى أشواك الصبار. في هذا العالم الموحش، يستيقظ بطل الرواية عارياً على قضبان حديدية، دون ذاكرة تذكره باسمه أو ماضيه، ليجد نفسه في مواجهة قطارات مسرعة لا سائق لها، ونباتات صبار تمزق جسده وتغذيه في آن، وأسواراً شامخة تعصي التسلق. كل محاولة للنجاة تنتهي به إلى فخ جديد، وكل خطوة نحو الخارج تكشف عن دوائر أوسع من العزلة والوحشية. رواية "إلى ما لا مآل" ليست مجرد حكاية بقاء، بل تأمل وجودي في دهاليز العقل البشري، حيث تصير القطارات رمزاً للقدر المتكرر، والصبار استعارة للألم الذي يتحول إلى مصدر حياة. حين يقرر البطل الانتقام، يكتشف أن تمرده قد يهدم عالماً بأكمله.

إلى ما لا مآل رواية 649 76 يناير 2022 yes 201091985809 د. حسين السنبختي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgySS2pmtkM8ErnnhvUQsRm_LxJ6MGmpwzoGNjHLfTFY-8izWi3zrrFeshhRd3gQv8ruzCpxSdPeMgbIguQoL0Ae_vseXYXMghtHAv6SXYcQRmzemJQa_OlEEWZgR6vKdqMg820c-19sMqaTxanEs-8x71o6tHLyRSPJQkoR9wCTDYX5cLtoQ8IortYUD0/s295/%D8%AF.-%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A8%D8%AE%D8%AA%D9%8A.jpg

تفتح الرواية بتأسيس مشهدي محكم يضع القارئ فوراً في قلب المعاناة الوجودية لبطل مجهول الهوية، يستيقظ عارياً في فضاء مغلق من قضبان حديدية تمتد إلى اللانهاية، وأسوار شاهقة تكاد تلامس السماء الرمادية، وقطارات تندفع بسرعة جنونية دون سائق محسوس. هذا المكان، الذي يبدو كسجن أو متاهة، يتحول إلى مسرح للصراع البدني والنفسي، حيث يصبح المشي بين القضبان مجازفة، والجلوس على القضبان تعذيباً، والاختباء وسط الصبار نزفاً مفتوحاً. غير أن الكاتب لا يكتفي بتصوير هذه المعاناة الجسدية بل يعمقها درامياً عندما يجعل أشواك الصبار، التي تمزق لحم البطل، المصدر الوحيد للغذاء الذي يبقي على قيد الحياة، مقلوباً بذلك العلاقة البديهية بين الألم والنفع، وبين العذاب والبقاء، ليقود القارئ إلى منطقة رمادية لا تتوافق فيها المسببات مع النتائج كما هو متوقع.

ينتقل السرد بعد ذلك إلى القطار الذي يمثل منعطفاً حاسماً في الحكاية. فهذا الفضاء المتنقل يبدو كملاذ مؤقت من فوضى السكة، بيد أن اكتشاف البطل أن القطار يسير بغير سائق، وأن جميع عرباته خالية من الركاب، يكشف عن عمق العزلة التي تطارده. المكان هنا ليس مجرد خلفية، بل كيان عدائي ومغلق، تخضع قوانينه لمنطق لا يمكن فك شفرته. فتحويل مسار القطارات يتم عبر روافع يدوية مهملة، وكأن النظام كله يقوم على آليات عشوائية أو متروكة لإرادة الغائب. هذا البناء المكاني المعقد، الذي يتكشف تدريجياً عبر تفاصيل دقيقة كعد القضبان ورصد التحويلات، يرسم صورة لمتاهة سريالية تذكّر بأفلام الكوابيس أو عوالم الكافكا، حيث يصبح الهروب حلماً مستحيلاً، والبقاء حلماً مؤقتاً، والخروج من الدائرة يعني الدخول في دائرة أكبر.

عند نقطة الذروة، يفقد البطل الأمل في الخلاص السلمي، فيقرر الانتقام، ليكتشف أن تمرده لم يكن سوى بداية لانهيار متسلسل. فهو بتغيير موقع رافعة تحويل القطارات، يطلق سلسلة من الاصطدامات تخرق الأسوار، وتدهس أشخاصاً آخرين كانوا يقفون في السكك المجاورة، وتفتح فجوات تؤدي إلى سكك جديدة، وهكذا في دوائر لا نهائية. هكذا يتحول الانتقام الفردي إلى كارثة جماعية، والبطل الذي كان ضحية يتحول دون قصد إلى محرك لعجلة تدمير أوسع مما يتصور. هذا التحول الأخلاقي والنفسي هو لبّ الرواية، حيث تتشابك مسؤولية الفعل الفردي مع عواقبه الكونية في نسيج سردي لا يترك للقارئ مسافة آمنة للمشاهدة، بل يدفعه للتساؤل عن حدود الاختيار في عوالم تختفي فيها إرادة الفاعل وراء النتائج.

أسلوب الكاتب هنا لا يقترب من الوصف التقليدي، بل يفضي إلى تعبيرية بصرية وحسية تعكس حال البطل النفسي والجسدي. الجمل تتطاول وتتقطع تبعاً لتقلبات المشهد، والتفاصيل الدقيقة كعد القضبان ووصف الألم تخلق إيقاعاً بطيئاً في أوقات، متسارعاً في أخرى. الحوار يغيب تقريباً، ليحل محله تيار الوعي الذي يفضح تناقضات البطل وأفكاره وهو يتحرك بين الخوف والغضب والرجاء واليأس. الرمزية هنا مكثفة: القطارات التي لا تقود إلى محطة تمثل مصائراً متكررة، والأسوار الشاهقة حواجز نفسية واجتماعية، والصبار الذي يؤلم ويغذي هو ازدواجية الألم الذي يصبح مصدراً للحياة، وأخيراً الدوائر المتسعة من السكك هي صورة لتكرار التجربة الإنسانية في البحث عن الخلاص.