الجائحة

جائحة لم تكتفِ باقتلاع الأرواح، بل مزقت خيوطاً عمرها عقود، وجمعت في مواجهة الموت من كانوا في خنادق متقابلة. هذه الرواية لا تحكي عن فيروس عابر، بل عن قصة مصر في نصف قرن، عن شاب أزهري يؤسس لجماعة إخوانية وعن شيوعي ثائر يبحث عن العدالة، عن حبٍ يولد فوق رماد السياسة وعن وباءٍ لا يفرق بين محام وفنانة، بين مؤمن وملحد. يسرد الكاتب ببراعة تشابك الأقدار في إطار تاريخي مُمتد من ثورة 1919 حتى جائحة كورونا، ليكشف كيف أن البشر، رغم تباعد مساراتهم، يظلون مرهونين بالقدر والمصادفات التي تجمعهم وتفرقهم. رواية إنسانية تعكس صراع الأيديولوجيات وانكسارها أمام حتمية الموت، وتذكّرنا أن الجائحة الحقيقية ليست في فيروس عابر، بل في التطرف الذي يقطع أوصال المجتمع والأنانية التي تحجب عنا جوهر الإنسانية. الجائحة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhYy0vTIDOiY9CmWyVUUDIsrKf7nn6h_Bmp1SDGtVAuTbnIVVc1fA2DxmXgG9813nmlyG1yby3UDw8ctxPa7MqVgHRSwH51pedXcPAQs948V8_xrIEZneIdL4sTt8j48hnNBH-QkiTeezrgRCmUnHB9HS7LiydgOe6WSC4DEG2qJo9IQdjQYHX5WW6MOF8/s320/748.jpg

جائحة لم تكتفِ باقتلاع الأرواح، بل مزقت خيوطاً عمرها عقود، وجمعت في مواجهة الموت من كانوا في خنادق متقابلة. هذه الرواية لا تحكي عن فيروس عابر، بل عن قصة مصر في نصف قرن، عن شاب أزهري يؤسس لجماعة إخوانية وعن شيوعي ثائر يبحث عن العدالة، عن حبٍ يولد فوق رماد السياسة وعن وباءٍ لا يفرق بين محام وفنانة، بين مؤمن وملحد. يسرد الكاتب ببراعة تشابك الأقدار في إطار تاريخي مُمتد من ثورة 1919 حتى جائحة كورونا، ليكشف كيف أن البشر، رغم تباعد مساراتهم، يظلون مرهونين بالقدر والمصادفات التي تجمعهم وتفرقهم. رواية إنسانية تعكس صراع الأيديولوجيات وانكسارها أمام حتمية الموت، وتذكّرنا أن الجائحة الحقيقية ليست في فيروس عابر، بل في التطرف الذي يقطع أوصال المجتمع والأنانية التي تحجب عنا جوهر الإنسانية.

الجائحة رواية 748 160 نوفمبر 2023 yes 201091985809 سعد أبو بكر كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgIBu8RVri4JW4acKDUC-_umYXStf3Fx-jqY6dqhdS6sh-kmxweDpVXZV7KN3q1t2HFYcF4bmV5NAgsIFcNjzlSgrJPNof_Fno7KdFJuZumztusiXwlYG3Mw5jCKvuJbMH6wBoabj2HnOdLuppRrqkLKHoHEciR5sdPY6wTbYIIYZ1rBY2zGBRT1zxagao/s800/%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A8%D9%83%D8%B1.jpg

تفتتح الرواية بمشهد مناقشة رسالة دكتوراه في الفنون، حيث تحصل بسنت على درجتها العلمية وسط احتفال عائلي، لكن هذا المشهد ليس سوى خاتمة لحكاية تمتد لعقود، وتجمع بين مسارات متباعدة يظل القدر ينسج خيوطها حتى تلتقي في النهاية. يبدأ السرد ببطله الأول حسني، الشاب الأزهري من قرية طاموس بالبحيرة، الذي يخطب في أحد أيام الجمعة عن المؤسس عثمان ويُعجب به أعضاء جماعة الإخوان، فينخرط معهم ويشارك في حرب فلسطين 1948 حيث ينقذه مجاهد غامض من موت محقق. في المقابل، نتعرف على ثائر، الشاب المتمرد من عائلة تركية أرستقراطية، الذي ينخرط في الحزب الشيوعي ويشارك هو الآخر في حرب فلسطين، ليكون هو بالصدفة من أنقذ حسين في ساحة القتال، دون أن يعرف كل منهما الآخر. تتقاطع حيوات الشخصيتين من جديد في معتقلات عبد الناصر بعد محاولة اغتياله في المنشية، لكن كل منهما يسير في طريقه: حسين يستمر مع الإخوان لكنه ينصرف للعمل الدعوي ويتزوج خديجة وينجب علياً وبسنت، بينما يسافر ثائر إلى فرنسا بعد أن تأزم وضعه وتزوج من أرستقراطية تركية لكنها تتركه، ويعود ليصبح أستاذاً جامعياً ويتزوج من ياسمين وينجب فارساً.

يكبر الأطفال في عالمين متقابلين: علي حسين يترعرع بين أيدي الجماعة المتشددة فيصبح عضواً في جناحها العسكري، عنيفاً متطرفاً، يحاول تزويج أخته الصغرى بسنت وهي لم تتجاوز الثالثة عشر، ويمارس عليها صنوف القسوة. أما بسنت، فرغم قسوة أخيها، تُكتشف موهبتها في الرسم والنحت، وتدخل كلية الطب إرضاء لأخيها بعد صراع مرير مع والدها. في الجانب الآخر، فارس ثائر ينشأ في بيئة ثقافية أرستقراطية، يحب العلم ويدخل كلية الطب، وبالصدفة يتعرف على بسنت في أول يوم دراسي حين تتبلل ملابسها بمياه متطايرة من سيارته، وتنشأ بينهما علاقة صداقة عميقة تتطور إلى حب، لكن أمه ياسمين تعترض بشدة لانتماء عائلتها للإخوان، مما يدفع بسنت للرفض عند خطبتها لتجنب إيذاء فارس. في هذه الأثناء، يتعمق علي في الجماعة حتى يسافر إلى أفغانستان ثم الإيغور في الصين، حيث يقود نشاطاً متطرفاً، لكنه يموت بفيروس كورونا في نهاية المطاف، متصالحاً مع أخته عبر مكالمة هاتفية قبل وفاته.

يأتي الوباء ليكتب الفصل الأخير في هذه الملحمة، فيفقد فارس والديه ثم يمرض هو الآخر ويموت بين يدي بسنت، تاركاً لها كلمات مؤثرة عن الموت كفائز وحيد في سباق الحياة. تستمر بسنت في العمل التطوعي داخل مستشفيات العزل حتى تضعف مناعتها وتصاب هي الأخرى، وفي لحظاتها الأخيرة تستعرض شريط حياتها منذ طفولتها حتى لقائها بفارس، وتموت منادية بأسماء أحبتها الذين سبقوها. بموت بسنت تنتهي السلالة التي جمعت بين مسارين متضادين: حسين الأزهري الإخواني وثائر الشيوعي، وتنتهي معها الحكاية، لتبقى الجائحة شاهداً على أن البشر، مهما اختلفت مساراتهم وأيديولوجياتهم، يظلون في النهاية مجرد أرواح عابرة في زحام الأقدار.