تجارب من الحياة

تلك الورقات التي بين يديك ليست مجرد سردٍ لتجارب عابرة، بل هي مرايا صغيرة تعكس وجوهًا عدة من الحياة بكل أطيافها. هنا، يكتبُ أناسٌ من تشاد عن معاناتهم اليومية مع العمل، ولهفتهم على التعلّم، وجراحات الفراق، ولحظات الصداقة التي لا تُنسى. يروي أحدهم كيف تحوّلت خيبةُ أملٍ في متجرٍ صغير إلى درسٍ في الصبر، بينما يخوض آخر في دهاليز الغربة ليكتشف معنى الوطن في عيون الغرباء. وفي زاويةٍ أخرى، تخطّ امرأةٌ طريقها عبر قسوةِ الأقدار لتُدرك أن النجاحَ الحقيقي يبدأ من الداخل. هذه الكتابات لا تبحث عن التلميع أو المبالغة، بل تُمسك بيد القارئ وتهمس له بأن كلّ إخفاق هو محطة، وكلّ ألمٍ هو بداية. إنها تجاربُ حيّةٌ، تذكّرنا بأن الحياة ليست سوى رحلةٍ نتعلم فيها من خطواتنا قبل أن نصل إلى أيّ وجهة. تجارب من الحياة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhIXiRllvIPaBk4tP-bWx_uWHozI1LLKgsJmqFVKFejIY5n4-Tg7ZGJvq30jvi33Q7n1F3KNt-127IdNAgc1j1W1fN3wK43v916uMXD1FNPGDztQUl5kEPEOOmHa64m94J6xw8sz2GSWp9QlCzdq2aX75GykqgQxaF-q07M45nMTP7p9f7l5hc8ghWPNFo/s320/692.jpg

تلك الورقات التي بين يديك ليست مجرد سردٍ لتجارب عابرة، بل هي مرايا صغيرة تعكس وجوهًا عدة من الحياة بكل أطيافها. هنا، يكتبُ أناسٌ من تشاد عن معاناتهم اليومية مع العمل، ولهفتهم على التعلّم، وجراحات الفراق، ولحظات الصداقة التي لا تُنسى. يروي أحدهم كيف تحوّلت خيبةُ أملٍ في متجرٍ صغير إلى درسٍ في الصبر، بينما يخوض آخر في دهاليز الغربة ليكتشف معنى الوطن في عيون الغرباء. وفي زاويةٍ أخرى، تخطّ امرأةٌ طريقها عبر قسوةِ الأقدار لتُدرك أن النجاحَ الحقيقي يبدأ من الداخل. هذه الكتابات لا تبحث عن التلميع أو المبالغة، بل تُمسك بيد القارئ وتهمس له بأن كلّ إخفاق هو محطة، وكلّ ألمٍ هو بداية. إنها تجاربُ حيّةٌ، تذكّرنا بأن الحياة ليست سوى رحلةٍ نتعلم فيها من خطواتنا قبل أن نصل إلى أيّ وجهة.

تجارب من الحياة مقالات - سلسلة كتاب لوتس 36 692 108 سبتمبر 2022 yes 201091985809 مجموعة مؤلفين مؤلفون تشاديون https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjk4RyRBGTH5hDPQq8KR7DUYNUpPBe7BAjmXRKeBeB1SfM4X6XfBRBJFn2Xmb2DB_20gDD1ii1WMDosvkyAoQdFupljPo-jxYGpIfrp03pwmn5X__PLLSEfs2iToxKCVxZvrhouYdz612zVYcX6lUObHZkJCprO3nXkTtqBFiq4ipfMUu9bm1KH1lLrfUA/s295/%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%82%D8%AC%D8%A9.jpg

تضمّن مجموعة "تجارب من الحياة" التي حرّرها عثمان أحمد قجة، بتنوعها اللافت، مشهداً بانورامياً للحياة في تشاد، ممثلاً بأصوات عدة تنتمي إلى أطياف مختلفة من المجتمع التشادي، من طلابٍ ومهنيين ونساءٍ وشبابٍ، كلّ منهم يحملُ جرحاً أو حلماً أو درساً خاصاً به. الكتاب، الصادر عن منصّة "المبدعون التشاديون"، يُقدّم نفسه باعتباره توثيقاً ذاتياً لأفرادٍ اختاروا أن يكونوا رُوّاداً في حقولهم رغم قسوةِ الظروف، محاولين بذلك تجاوزَ الحدود الجغرافية واللغوية لنقلَ تجاربهم باللغة العربية، اللغةِ التي يكتبون بها ويحلمون.

ينطلق الكتاب من فكرةٍ واضحة: التجربة الإنسانية لا تُختزل في الانتصارات الكبرى، بل تتشكّل في تفاصيل الحياة اليومية. لذلك، نجد الكتّاب يتناولون مواضيعَ متعددة، متقاطعةٍ في جوهرها، تبدأ من رحلة العمل؛ حيث يحكي محمّد الأمين برمة عن تنقله بين المهن كالجرسون والحارس، ليصل إلى متجرٍ صغير ينتظر فيه الزبائن، مقدّماً بذلك درساً في الصبر وتقبّل الواقع دون استسلام. وعلى خطى مشابهة، يتناول علي محمّد محمّد تحدّي تعلّم اللغة الإنجليزية في بيئةٍ تسخر من تلك الرغبة، مبيّناً كيف حوّل الاستهزاء إلى دافعٍ للإصرار، حتّى بات نموذجاً لمن يرفض الانكسار أمام الضغوط الاجتماعية، متجاوزاً بذلك عائق اللغة الذي فرضته البيئة الاستعمارية.

غير أنّ الكتاب لا يكتفي بهذا البُعد الفردي، بل يلتفت إلى البُعد الاجتماعي والروحي، من خلال تجربة إدريس جبريل إدريس في العمل التطوعي، حيث يعرض كيف تحوّلت رغبته الطفولية في مساعدة الآخرين إلى مشروعٍ جماعي، أسّس من خلاله مدرسةً مجانيةً لأطفال الفقراء. ومن هنا، يُبرز الكتاب فكرة أن التغيير الحقيقي يبدأ من الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه المجتمع، لا من انتظار الحلول من الخارج. وهذه الفكرة تتكرّر في نصوص أخرى مثل تجربة أبكر محمّد أبكر الماغومي في الجامعة، التي تروي تحوّله من طالبٍ يتلقّى درجاتٍ متدنية، إلى مثالٍ للاجتهاد حتى بات زملاؤه يطلقون عليه لقب "الكمبيوتر البشر"، في إشارةٍ إلى أنّ الفشل الأكاديمي ليس نهاية الطريق، بل مجرد مرحلةٍ مؤقتة.

أما الجانب العاطفي والأنثوي، فيأخذ حيزاً بارزاً في النصوص التي كتبتها نساءٌ تشاديات، مثل خديجة طاهر شريف التي تتحدث عن تجربتها مع العودة إلى تشاد، متجاوزةً الصورة النمطية عنها كبلدٍ للمرض والصعاب، لتصف كيف تحوّل الخوف الأوليّ من البعوض والملاريا إلى حبٍّ للأرض، وكيف أصبحت هذه البلاد جزءاً من هويتها. وفي مقابل ذلك، نجد وزينة محمّد حامد تتحدث عن تجربة الفراق التي كادت أن تودي بحياتها، مقدّمةً صورةً صادقة عن الألم النفسي كحالةٍ جسدية مدمّرة، لكنها لا تخلو من بارقة أملٍ تظهر في نهايتها، لتُذكّر بأن الحياة حتى في أقسى لحظاتها، تحمل إمكانية النهوض.

في هذا السياق، يتشكّل في الكتاب نسيجٌ من التناقضات: الأمل مقابل اليأس، الغربة مقابل الانتماء، الجهد مقابل القدر. وهذه الثنائيات تظهر بوضوح في نصوص مثل "ربما تنتهي الحياة بتنهيدة" لسعدية قوكوني نور، التي تحوّل حادثة صاعقةٍ عشوائية إلى وعيٍ وجودي عميق، يختصر الحياة في لحظةٍ عابرة، ويدفع إلى التفكير في معنى كلّ فعلٍ قبل فوات الأوان. وكذلك في تجربة يوسف عمر ضليل مع القراءة، التي لا تقتصر على سرد علاقةٍ فرديةٍ بالكتاب، بل تتوسع لتكون تأملاً في العلاقة بين المعلم والتلميذ، وكيف يمكن للكلمة أن تغيّر مسار حياةٍ بأكملها، حين يهديه أستاذه كتاباً صغيراً ويأمره بقراءته ثلاثين مرة، فيتعلّم أن عمقَ القراءة أهم من كمّها.

وإن كانت هذه النصوص فرديةً في طبيعتها، فإنّها معاً تشكّل سجلاً اجتماعياً وثقافياً لحياة التشاديين اليومية، بل وتتجاوز ذلك لتكون شهادةً إنسانية عامة، يمكن لأي قارئٍ عربيّ أن يجد فيها صدىً لتجربته الخاصة. فالكتاب لا يكتفي بالوصف الذاتي، بل يحاول فهمَ التحولات الاجتماعية الكبرى التي طالت الإنسان التشادي، كما يظهر في مقال آدم موسى إبراهيم علي "هذا ما وصلنا إليه"، الذي يقدّم نقداً لاذعاً للحداثة وتأثيراتها المدمّرة على الإنسان، مقيماً مقارنةً بين إنسان الماضي وإنسان الحاضر، ومتسائلاً: هل التقدّم الحقيقي هو ذلك الذي نراه في الأجهزة والاختراعات، أم هو ذلك الذي نحتفظ به من قيمنا؟.