ظلال المرئي

تتجمع قطعان السحب الهائجة كخيول جامحة، تعبث بمخيمات زائري الله، تقتلع الدعائم وتقطع الحبال. تضطر الطبيعة، وهي تشعر بالملل، إلى إحداث بعض الحركة والإثارة. تجلس مجموعة من الناس، بقلوب مليئة بمتطلبات متناقضة، في بقعة جغرافية ما، هدفهم رؤية الله، ولكن لأسباب مختلفة. يسقط بعضهم، يصعد آخرون، ويدورون في حلقة لا تنتهي. فجأة، يجد السكان أنفسهم وجهاً لوجه، دون سواتر. رجل ستيني، يعتمر عمامة سوداء، يصرخ مهدداً: "الله ينزل علينا غضبه بسببكم، فأنتم تقايضون دماء الشعوب". يتدفق المرق الأحمر ببطء داخل أحشاء التراب، مخلفاً بقعة وردية، كخجل عبر خد سمراء على عجل. تراقب امرأة المشهد بضحكة ساخرة، ثم تلج خيمتها لتعود مع زوجها وطفليهما. يهمس الزوج لجارٍ له: "لطالما أخبرتك بأن تتفق معهم، ولكنك كنت تصر على ألا تسمح بتحويل كرامتك ومبادئك إلى مطية للمنافع الشخصية". ظلال المرئي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiyL3EarfQXcnOMB2G7OXzkVLGNCWl4lOEo-6MJhqdhtnsCLC20eUTHUM43rQcb41Bpu8oZqkvUvgb2GUAnhEOjF9sTz6ABt2cLL4WAhIoz1716ESixWAIHBBfReNz5Mn5Pt9rWsK6Z9y1CN9cBKcdgC0Zs8SAcEALkwiPNtHaxfVBN_VE2yCXu-I1_DBA/s320/423.jpg

تتجمع قطعان السحب الهائجة كخيول جامحة، تعبث بمخيمات زائري الله، تقتلع الدعائم وتقطع الحبال. تضطر الطبيعة، وهي تشعر بالملل، إلى إحداث بعض الحركة والإثارة. تجلس مجموعة من الناس، بقلوب مليئة بمتطلبات متناقضة، في بقعة جغرافية ما، هدفهم رؤية الله، ولكن لأسباب مختلفة. يسقط بعضهم، يصعد آخرون، ويدورون في حلقة لا تنتهي. فجأة، يجد السكان أنفسهم وجهاً لوجه، دون سواتر. رجل ستيني، يعتمر عمامة سوداء، يصرخ مهدداً: "الله ينزل علينا غضبه بسببكم، فأنتم تقايضون دماء الشعوب". يتدفق المرق الأحمر ببطء داخل أحشاء التراب، مخلفاً بقعة وردية، كخجل عبر خد سمراء على عجل. تراقب امرأة المشهد بضحكة ساخرة، ثم تلج خيمتها لتعود مع زوجها وطفليهما. يهمس الزوج لجارٍ له: "لطالما أخبرتك بأن تتفق معهم، ولكنك كنت تصر على ألا تسمح بتحويل كرامتك ومبادئك إلى مطية للمنافع الشخصية".

ظلال المرئي مجموعة قصصية 423 128 مايو 2020 yes 201091985809 ألماز علو كاتبة سورية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj9yhFr5bgZFjQZ_l8Q7WN9UaYZc0VD8tvZfwrDWnFyy0O_XJMFV5m6vNuFGh1PLugPhCu0jRVzhTg-snI2edtlCAF-XAeuiZKzuJeRwQ2xOxBvDIOIESWfrsi0AyaciWkgCSulJiONwF5cY_qkNLQw3NTma77s_vGLw1emnCnsmEHMCUEXXlcCIFCgIfk/s295/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2-%D8%B9%D9%84%D9%88.jpg

تحضر الطبيعة أحيانًا بؤرًا من السأم، فتُشعل في الأرض هزاتٍ تُعيد ترتيب الوجود. هذا ما حدث عندما استشعرت الأرض ثقل الحركة المتكررة للبشر، كلٌ يسعى لهدفٍ خاص، وغايته رؤية الإله. لكن الطبيعة، في غير اهتمامها بالنتائج، قررت غسل سأمها بخلق اضطرابٍ ملموس. هبت رياح عاتية تمزق خيام الزائرين، ملقيةً بهم وجهًا لوجه.

برز في هذا الارتباك رجلٌ ستيني بعمامة سوداء، رأى في جاره ذي اللحية الطويلة تهديدًا، فهاجمه باعتقادٍ واهٍ أن التشعب باللحية يشل يد العاصفة. صرخ الرجل مهددًا بأن غضب الإله سينزل عليهم بسبب مقايضتهم دماء الشعوب. تأمل الرجل المرق الأحمر المتناثر على الأرض، تاركًا بقعة وردية كخجلٍ عابر. امرأةٌ وقفت تراقب المشهد بضحكةٍ ساخرة، ثم عادت لخيمتها لتحضر زوجها وطفليها. اقترب الزوج من الرجل الستيني، موضحًا له فشل محاولاته السابقة في إقناع أطفاله بالجوع. ثم داس بقصدٍ على بقعة المرق، مستهدفًا الرجل الذي سخر منه.

الرجل الذي سخر منه كان يصغره بسنتين، ورغم محبته لأخيه، إلا أن واجب التربية فرض عليه الانتقام. قبل أشهر، منع هذا الرجل عائلة أخيه من اللجوء إلى مغارةٍ قديمة، مؤكدًا حقه في المكان الذي حفره والداهم. لم يرفض الرجل استغلال منصبه لمنع أخيه، معتبرًا نفسه أحق بالمنصب لفقره التعليمي ولتفوقه المنطقي.

تُلقي أحداث الحياة بالناس في سلة الرحيل، بعضهم يرى أمهاتٍ لا تشبه أمهات الآخرين، ومنظورًا للقيم والأخلاق يختلف. عندما يتحدثون عن الدين، يصبح حجةً لمحاربتهم أو لتصفية الحسابات. جماعاتٌ ابتلعها التاريخ تعود لتلفظهم أفرادًا، فيدركون تباينهم الشديد الذي يحول دون الاقتراب إلا بمسافات أمان.

هناك أناسٌ يمتلكون الثقة الكافية لذكر أوطانهم دون شرح، فتسميتها ترتبط تلقائيًا بخصوصية قومية وثقافية ودينية. أما مدننا، فتغرق في بحر من التوضيحات والسرد التاريخي، لشرح انتهاكات بحق شعبٍ يحاول إثبات وجوده الذي يتقلص يومًا بعد يوم.

هل يمكن اعتبار الأفعال التي تقوم بها تنتمي للوطنية أم الخيانة؟ سؤالٌ يطرح نفسه في ظل غياب تعريف واضح للوطن. وطنٌ صغيرٌ كانت له ذكرياتٌ جميلة، حيث تتلاقى السنونو في الصباح، وتبني أعشاشها في البيوت، تعلن فلسفتها عن التعايش. تؤكد أن وجودًا في مكان واحد يكفي ليصبح وطنًا، دون الحاجة للتشابه، بل لتقبل الاختلاف. مدينةٌ غاب عنها الحنين بغياب السنونو، اسمها عفرين.

تُصبح الأماكن التي حملت هؤلاء الناس، والتي ألقى بهم القدر فيها، ساحاتٍ للتبايُن. يدركون أنهم يمتلكون قدرًا من الاختلاف يجعل الاقتراب مستحيلاً دون مسافات أمان. يمتلك البعض ثقةً كافية لذكر أوطانهم دون الحاجة لتفاصيل، فتسمية الوطن ترتبط تلقائيًا بخصوصية قومية وثقافية ودينية. أما مدننا، فتغرق في التوضيحات والسرد التاريخي، في محاولةٍ لشرح انتهاكات ضد شعبٍ يحاول إثبات حضوره المتقلص.

هل يمكن تمييز الأفعال التي تقوم بها، وهل تصلح لتكون وطنية أم خيانة؟ هذا سؤالٌ يصبح ملتبسًا في غياب تعريفٍ واضح للوطن. كل ما عرفه البعض هو مدينةٌ صغيرة، حيث كانت السنونو تتبادل قبلاتها مع وجوههم، وتبني أعشاشها في بيوتهم، معلنةً فلسفة التعايش. تؤكد أن وجودًا في مكان واحد يكفي لنسميه وطنًا، ولا يتطلب بالضرورة التشابه، بل تقبل هذا التواجد حتى لو مارس أحدهم حياته بضجيجٍ والآخر بصمت. مدينةٌ رحل عنها حنينها منذ أن غاب السنونو عن سمائها، مدينة اسمها عفرين.