أغنيات الرحيل

رفرف شراع الليل فوق أزمنتي، يحمل أنين جراحٍ قد أودت بآمالي. عيون العمر القاسية ترقبني، لا تمنح سوى الدمع وقت الحرمان. هذه قصور الليل، حيث ألقي بأشجاني في أغوار الظلام، فتستحيل سيوف الدمع مساراً لأجفاني. بحر البكاء يراودني، أسبح فيه علّي أروي ظمأ روحي من نزيف أركاني. أخفي حزن القلب بين أضلعي، وأغرس ألحاني في صحراء القفار. أسأل القلب حين موجعه يثور، وحين تموت الأفنان في خريف العمر. هل سرّني موت الصباح منحنياً، أم هو مصيري المطحون الذي يطحن أحلام أجنحتي؟ أنفاس الدخان تلفح عيني، وأنا أغوص في غياهب الأسئلة. أغنيات الرحيل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEizAJicEBePCLlDlJecUsCS-v5MmQFsocCzr6JW8ntth_etQcWVedt_GEKlkatTX6_kpf7cKed1tCMROHMJ82IdbR9JUGv7Z6S-aJjuyDeqveZD6TX4gaVJoxr8AHhQp_YTpmQ5G6jat0Z7JNVzi8dE3hyvwGBMoKDDnNNJ6BO-dOBA-hlBc2xiNiYtLZI/s320/413.jpg

رفرف شراع الليل فوق أزمنتي، يحمل أنين جراحٍ قد أودت بآمالي. عيون العمر القاسية ترقبني، لا تمنح سوى الدمع وقت الحرمان. هذه قصور الليل، حيث ألقي بأشجاني في أغوار الظلام، فتستحيل سيوف الدمع مساراً لأجفاني. بحر البكاء يراودني، أسبح فيه علّي أروي ظمأ روحي من نزيف أركاني. أخفي حزن القلب بين أضلعي، وأغرس ألحاني في صحراء القفار. أسأل القلب حين موجعه يثور، وحين تموت الأفنان في خريف العمر. هل سرّني موت الصباح منحنياً، أم هو مصيري المطحون الذي يطحن أحلام أجنحتي؟ أنفاس الدخان تلفح عيني، وأنا أغوص في غياهب الأسئلة.

أغنيات الرحيل شعر 413 84 مارس 2020 yes 201091985809 عبده حسين إمام كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi5mvPCc9i90oeLRvR8WjXrxexKpn9ADdYXi6q-QzZzKjDipJtYawJyul8rbsEzN2YLbtsBaStwA2wo8tRbP7mQSbqwfP6BNL3HUUaEgduEAhe7R5jf31Ie8GcRdXynp5W_hHIpoB08up341Id7YnJ4UYO_BF-Cu-oPnJhLvejuG9pJo-zyoTj20f0KTqM/s295/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%87-%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%85%D8%A7%D9%85.jpg

تنساب أغنيات الرحيل في دروب النفس المتعرجة، أغنية تلو الأخرى، تحمل رياح الشجن وتعبق بأريج الشكوى. عبده حسني إمام، شاعر ينسج من خيوط الألم قصائد تلامس شغاف القلب، وتستفز الساكن فيه. لا نجد في كلماته ترف الخطابة الفارغة، بل عري الحقيقة، وصدق العاطفة التي تخرج من أعماق تستلهم من مرارة التجربة. في قصوره الليلية، يغرق الشاعر في بحر أشجانه، حيث تستعمر أسياف الدمع أجفانه، وينغمس في صراع مع سجان أيامه، ومع يأس يتسلل إلى روحه. يرفرف شراع الليل فوق أزمنته، محملاً بجراح أودت بأعمار، وعيون العمر القاسية ترقبه، وتستثير دمعه في ساعة حرمانه.

يحاول الشاعر سابحًا في بحر البكاء أن يرتوي من نزيف روحه، يطوي حزن قلبه بين أضلعه، ويغرس ألحانه في بيداء قاحلة. يتساءل عن سخط القلب حين يثور موجعه، وحين تموت أفنانه في خريف العمر. هل راق له موت الصباح منهزمًا، أم أن هذا مصيره المحتوم الذي يطحن حلم أجنحته، ويلفح العين من أنفاس دخانه؟ هنا، في هذه اللحظات، تتجسد روح المعذب الذي يبحث عن فسحة للنور في قلب الظلام.

تتوالى القصائد كدفقات من الروح، ففي قصيدة "انسحاب"، يعبر عن قلق داخلي يثير مدامعه، خشية نهاية قد تثير مواجعه. لا يريد لنفسه أن يكون ممزقًا بين الظنون، تائهًا بذرائعه. يرى على الطريق بداية تنهي صراعًا خاضه ليله، وتلوح راية من شموس الغيب، يرفرف جناحها في مسامعه، داعية إياه نحو عالم أرحم. تطوف أجنحة الوجود، تنشر عبير البشر فوق مواقعه، فيلين دربه، وكأنه وطن أسير بين عصف مقالعه. السلام على الطريق تحية، سالت تفيض بحيرته ومزامعه، فالجرح في قلبه غائر متلاطم، ودماؤه تلعنت على جميع مراجعاته. صنع تواريخه القديمة من شبح يهيج على سفوح منابعه، فإذا طمح لبلوغ رغائبه، جثم الظالم على شموس مطالعه. ينهض فؤاده مرة، ليمحو مع دنسا يطول ودائعه، ولعلهم يبنون بـ"ليلى" نهضة تزيل غيم براقعه.

ثم يجد نفسه في "الغربة"، يقصت بين الفيافي، تتهتك سواتره بين الرياح. يتبادر الجرح المر، يعصف مزاعم خاطره، وتجذبه صبوة نحو الفيافي، تلقي ضياءً في ظالم بوادره. يذهب ملقيًا مخاوفه في العراء، هامًا على تواتره فوق بحار الدمع، ويعزف لحن العشق، يطرب حين تتبادله أواصره. ينسى طعم الملذات، وحروف حزنه، ويقذف تاج الخوف تحت مقادمه، لتتراجع خسائره. أديم قلبه قد تيمم شوقه، يطلق في بحر الدموع بواخره، في كهفه يهجر مواطنه، ليلوي عناق الخوف خلف ستائره. ينتظر كهف السكوت رسالة، تفك قيود الصمت حول منابره.

يبرأ من إثم التراجع، ليعزف نواقيس الصباح ببشائر، ويخرج مصارعًا أصنام ليل يستبيح منائر. يقذف شمسه في ظالم نهارهم، ويفضي في قيظ العيون مناظره. يقيم قصرًا من كواهله، يأوي الحطام بفجر قلبه الثائر. تسلم مدن الجراد رسالته، وتتملق عند الهزيمة الدياجرى، حتى إذا بات السلام متاخمًا، غرسوا سهام الغدر خلف ظواهره. يقام تاج الشوك فوق إمارته، فيرشف عند الصلب وهن تناثره، وتمنحه النار والموت نفض جوانحه.

حتى يلملم في الجحيم ضمائره، ويرتق الروح الممزقة، وحروف تهوى في جحيم دوائره. تهوى، في الرماد، هوادجه، ويجوب في الإعصار راكبًا "عشتار"، إن طال موته في الفناء، فدمعته تسكب يقين النور فوق أساوره. هذه دماؤه، فاسبحوا في بحرها، واستشرفوا بعد الوصول مصائره. تكحلوا برماد قلبه المحترق، وأقيموا عرس البدء فوق مآثره. هنا، يتجسد الطائر الفينيق الذي ينهض من رماده، وعشتار، إلهة الحب والحرب، في مزيج من القوة والرقة، في رحلة نحو الولادة الجديدة من رحم المعاناة.

في "قربان"، يتساءل من أين يبدأ رحلة شقائه، والموت يروع روحه في دجى أسرائه. يودع خلفه دياجيات ملاحمه، مشكولة بهزائمه ورثائه. يمضي في سبل الظلم، يقوده أمل يهيم على صراط بكائه، يجتر عمره في طريق تردده، بين الرجوع وحلم ندائه. يرى سنينه تتوالى، كأشجار تحمل ثمار العمر، كل جذع يحكي قصة، وكل ورقة تحمل أثرًا.

الكتاب، "أغنيات الرحيل"، هو دعوة للتأمل في دروب الروح القاسية، رحلة عبر الألم والفقد، بحثًا عن معنى. الشاعر، عبده حسني إمام، لا يقدم حلولًا جاهزة، بل يطرح أسئلة، ويفتح نوافذ على عوالم التجربة الإنسانية بكل ما فيها من قسوة وجمال. يتخذ من اللغة أداة ليست لتزيين الواقع، بل لكشفه، ولإضاءة زواياه المعتمة. في كل قصيدة، صورة حية، ومشهد مؤثر، يمنح القارئ مساحة للتفكير والشعور، ليعيش التجربة بنفسه. هذه الأغنيات ليست نغمات عابرة، بل هي صرخات روح، ترتل لحن الرحيل الأبدي، لحن الحياة والموت، الفقد والرجاء.