حنين إلى العافية

في ممرات المستشفيات المزدحمة، حيث رائحة المطهرات تختلط بأنفاس الموت، تنسل حكاياتٌ لا تروى في غرف العمليات، ولا في دفاتر الحالات، بل في زوايا النسيان التي تجمع الممرضين والمرضى والقطط معاً. "حنين إلى العافية" ليس مجرد مجموعة قصصية، بل رحلةٌ عميقة داخل عالم هامشي لا يراه أحدٌ حقاً: عالم التمريض في مستشفيات الريف المصري. بأسلوب سردي شفاف يخلو من الرومانسية الزائفة، يكتب إبراهيم المطولي عن الموت الذي يأتي كزيارةٍ غير متوقعة، وعن الدماء التي تجففها أيادٍ ماهرة، وعن الحكايات الإنسانية التي تتساقط مع حبات عرقٍ على جباه مرضى الكبد، وعن فتاةٍ لا تعرف اسمها لكنها تملأ الفراغ. هنا، حيث يحاول الجميع نسيان الألم، يظل السؤال قائماً: هل العافية مجرد غياب المرض؟ أم هي تلك اللحظة التي تجد فيها قارب نجاة في عين ممرضة، أو في سيجارةٍ يسألها عنها رجلٌ في جناح العزل النفسي؟ كتابٌ يقرأ كأنه عدسة مكبرة على حياةٍ قاسية، لكنها لا تخلو من جمالٍ خفي. حنين إلى العافية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhS52L4K2XfcFgAL3tEoTdN3n2pjtO2D0kyefVoT6dDMkoeZGPAo8pok0w_8Ihb7DUYfklHVFrGPikjVWrjJns8yJeJZ1AZvrhCGTDSK1hi1wACU7OHKQSjI5yYBPftamPM_l6QxHjxZ3es2A5fq78BXOCilBnCyL0xtiX8YyVJzvfe0088rGslV3yFivQ/s320/570.jpg

في ممرات المستشفيات المزدحمة، حيث رائحة المطهرات تختلط بأنفاس الموت، تنسل حكاياتٌ لا تروى في غرف العمليات، ولا في دفاتر الحالات، بل في زوايا النسيان التي تجمع الممرضين والمرضى والقطط معاً. "حنين إلى العافية" ليس مجرد مجموعة قصصية، بل رحلةٌ عميقة داخل عالم هامشي لا يراه أحدٌ حقاً: عالم التمريض في مستشفيات الريف المصري. بأسلوب سردي شفاف يخلو من الرومانسية الزائفة، يكتب إبراهيم المطولي عن الموت الذي يأتي كزيارةٍ غير متوقعة، وعن الدماء التي تجففها أيادٍ ماهرة، وعن الحكايات الإنسانية التي تتساقط مع حبات عرقٍ على جباه مرضى الكبد، وعن فتاةٍ لا تعرف اسمها لكنها تملأ الفراغ. هنا، حيث يحاول الجميع نسيان الألم، يظل السؤال قائماً: هل العافية مجرد غياب المرض؟ أم هي تلك اللحظة التي تجد فيها قارب نجاة في عين ممرضة، أو في سيجارةٍ يسألها عنها رجلٌ في جناح العزل النفسي؟ كتابٌ يقرأ كأنه عدسة مكبرة على حياةٍ قاسية، لكنها لا تخلو من جمالٍ خفي.

حنين إلى العافية مجموعة قصصية 570 88 يونيو 2021 yes 201091985809 إبراهيم المطولي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgftngGUl-oMUNDeXZa0vLAsPcTzw3L2KM8TFdHKcGazcgBCyv39CZIP0M4a1ik86IM_vIWj6N6fis7YC_5vnibL8T7pMQhtSUbjs44o9VwTkcKkn4To5pbK01nOiH4OB0639602LE-89EYPY2flq2SGh-raqeH7FkiRiQhXsYtraHZcma0aSGhS427Lzs/s295/%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%8A.jpg

تتوزع مجموعة "حنين إلى العافية" على سبع عشرة قصة قصيرة، تتراوح أطوالها بين المشهد الخاطف والحكاية الممتدة، لتشكل معاً بانوراما إنسانية عن الحياة داخل مؤسسةٍ طبية في الريف المصري، حيث يتقاطع فيها العاملون والمرضى والزوار في فضاءٍ واحدٍ تتساوى فيه أصوات الألم والرتابة والموت. 

البطل الراوي، ممرضٌ شاب، يقف كمراقبٍ صامتٍ أو مشاركٍ مفعول، فيتنقل بين الأقسام والعنابر، مسجلاً حكاياتٍ لا تخلو من قسوة، لكنها في جوهرها تنبض بالحياة بتفاصيلها اليومية الدقيقة. لا يبحث الكاتب عن دراما كبرى، بل عن تلك التفاصيل الهشة التي تكشف عن كنه البشر حين يكونون أمام أكثر لحظاتهم ضعفاً، أو أمام أكثر واجباتهم تعلقاً بالحياة والموت.

تتوزع قصص المجموعة بين مشاهد وصفت بعنايةٍ فائقة: مشهد موت سيدةٍ منسية في حجرة العزل، ومشهد طفلٍ محروقٍ في قسم الحريق ينطق بكلمة "أشرب" طوال الليل، ومشهد "يُسر"، الممرضة التي تعمل في غرفة العمليات، والتي تصبح للراوي محوراً لشغفٍ خفي يتكرر كلما حكت له عن حالةٍ مريضٍ مات. 

وهناك أيضاً "العم نور"، الرجل الذي يعيش سبع سنواتٍ على جهاز غسيل الكلى، والذي يصير شخصيةً محورية في وحدة الغسيل الكلوي بفضل خبرته الحياتية ونصائحه عن بَدل الانتقال، حتى أن موته يأتي كحدثٍ يُعيد ترتيب المكان من جديد. في هذه الحكايات، لا يظهر الموت كحدثٍ مفاجئٍ درامي، بل كجزءٍ طبيعيٍ من روتين العمل، وكأن الأبطال يدركون أنه ليس سوى تحولٍ آخرٍ في مسارٍ بدأ منذ اللحظة الأولى لتشخيص المرض.

غير أن المجموعة لا تقتصر على الموت، بل تمتد إلى الحياة بكل تقلباتها القاسية: هناك الفتاة الخنثى التي يرفض أهلها الاعتراف بها، فيتم قتلها وإلقاؤها في البحر، وهناك الشاعر المظلوم الذي يصبح ضحيةً لقمعٍ عنيف، وهناك معلم التاريخ الذي سُجن في جناح العزل النفسي، وهناك الجثة الملقاة على الطريق التي يكتشف الراوي أنها امرأةٌ اخفت أنوثتها تحت ثياب رجل. 

عبر هذه الشخصيات المتعددة، يرسم المطولي لوحةً لمجتمعٍ مصريٍ ريفي، يعيش تحت وطأة الفقر والعادات القاسية، لكنه لا يخلو من طيوفٍ صغيرةٍ من الجمال، مثل الفتيات اللواتي يبعن عقود الأصداف على شاطئ البحيرة، أو مشهد النمل الذي يحمل قطعاً من عين ميتةٍ إلى عشه في الجدار، وكأن الكون كله يستمر في دورته، بغض النظر عن ألم البشر.