دموع خائبة

زوجةٌ تُضرب باسم الحب، وأمٌ تُذبح باسم التقاليد، وأطفالٌ يولدون في جحيم لا يختارونه. حين يفرض الأب قراره على ابنه، ويرى في صديقه القديم بوابةً للزواج المنشود، لا يدرك أن تلك البوابة ستفتح على مصراعيها للدمار. حنان، الفتاة الجميلة التي وافقت على الزواج طاعةً لأبيها، لم تكن تعلم أنها ستتحول إلى كبش فداء في معركة بين رجلين: الأول يريد التمسك بصداقته، والثاني يحلم بحبيبته التي سلبت منه غصباً. بين الضربات والصراخ، وبين دموع الليل ووجع النهار، تكبر الأبناء وهم يحملون في قلوبهم جرحاً لا يلتئم، ويشهدون مقتل أمهم على يد أبيهم، ليتحول السؤال الأبدي إلى لعنة: كيف نعيش تحت سقف واحد مع من قتل كل شيء؟ إنها حكاية امرأة ضحّت بكل شيء، وقصة أطفال صاروا رجالاً وهم يقررون إن كان الدم أقوى من الذنب أم لا. دموع خائبة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEilLMKNSCzzC_LsmM01iu8o-7_1DW7NpCM5mi7tms6E3P2CPD1SQPy_AfSgflr-XqAaCHpNF8hJkmYjdiNBwaogoY4jok20IP_XdELfuNO_UAQCAf9McjlVrE7ot1Qi_PTbVM0Xa-Kae2i-AoIT3jlsxbc55khUZVQ5VI6d457CYCU2NrE7CRAhHvC5lEQ/s320/706.jpg

زوجةٌ تُضرب باسم الحب، وأمٌ تُذبح باسم التقاليد، وأطفالٌ يولدون في جحيم لا يختارونه. حين يفرض الأب قراره على ابنه، ويرى في صديقه القديم بوابةً للزواج المنشود، لا يدرك أن تلك البوابة ستفتح على مصراعيها للدمار. حنان، الفتاة الجميلة التي وافقت على الزواج طاعةً لأبيها، لم تكن تعلم أنها ستتحول إلى كبش فداء في معركة بين رجلين: الأول يريد التمسك بصداقته، والثاني يحلم بحبيبته التي سلبت منه غصباً. بين الضربات والصراخ، وبين دموع الليل ووجع النهار، تكبر الأبناء وهم يحملون في قلوبهم جرحاً لا يلتئم، ويشهدون مقتل أمهم على يد أبيهم، ليتحول السؤال الأبدي إلى لعنة: كيف نعيش تحت سقف واحد مع من قتل كل شيء؟ إنها حكاية امرأة ضحّت بكل شيء، وقصة أطفال صاروا رجالاً وهم يقررون إن كان الدم أقوى من الذنب أم لا.

دموع خائبة رواية 706 44 نوفمبر 2022 yes 201091985809 فاطمة عبد الرحيم صالح كاتبة تشادية

رواية "دموع خائبة" لفاطمة عبد الرحيم صالح، الصادرة ضمن مشروع النشر الحر، تقدم بانوراما اجتماعية مأساوية تستند إلى بنية درامية كلاسيكية حيث يتقاطع القدر مع الإرادة البشرية في لوحة قاتمة عن الزواج القسري وعواقبه المدمرة. تنطلق الحكاية من صداقة عريقة بين رجلين، أبو حنان وأبو حسان، تتحول إلى مأزق أخلاقي حين يقرر الأول تزويج ابنته حنان من ابن الثاني، رغم معارضة الأم التي تستشعر بوادر الخطر في طباع العريس المتصلبة. غير أن إصرار الأب على إرضاء صديقه، وتفاؤله الخاطئ بأن الابن سيختلف عن أبيه، يفتح الباب أمام مأساة تمتد لعقود، لتتحول حنان إلى ضحية صامتة لصراع لا دخل لها فيه، وتصبح حياتها مرآة تعكس كم الظلم الذي يمكن أن يمارسه المجتمع باسم العادات.

يبني الكاتب شخصية حسان نموذجاً للزوج المستبد الذي يحمل حقداً دفيناً على زوجته لأنه اضطر للتخلي عن حبيبته سامية، فيمارس عليها أنواعاً من التعذيب النفسي والجسدي التي تتصاعد مع مرور الأيام، من الحبس في المنزل إلى الضرب المبرح، مروراً بمنعها من زيارة أهلها أو استقبال صديقاتها. غير أن المدهش في هذه الشخصية أنها ليست شريرة بالمطلق، بل هي نتاج بيئة ذكورية تغذي الأنانية وتكرس فكرة أن الرجل يمتلك الحق في التحكم بحياة المرأة التي تنتقل إليه كسلعة بعد عقد القران. وهذا ما يظهر جلياً في تحولات حسان نفسه، حين يكون أحياناً حنوناً تجاه حنان، مما يخلق حالة من التذبذب العاطفي تجعل الضحية عاجزة عن اتخاذ قرار حاسم بالهروب أو الانفصال، إذ تظل متعلقة بأوهام التغيير رغم كل الإيذاء.

من جهة أخرى، تبرز حنان كأنموذج للمرأة الصابرة التي تتحمل فوق طاقتها بحجة الحفاظ على الأسرة وتربية الأبناء، فتظل متمسكة بزوجها حتى بعد أن يطردها من المنزل ويفصل بينها وبين أولادها، وتستمر في زيارتهم سراً لتهتم بهم، وكأنها تدفع ثمن حبها للأبناء بجسدها وروحها. هذه المفارقة بين قوة حنان في تحمل العذاب وضعفها أمام قراراتها المصيرية تشكل لب المأساة التي تطرحها الرواية، إذ تبدو البطلة كمن يختار القيد بيديه، ليس ضعفاً، بل بسبب بناء اجتماعي يعلم المرأة أن الألم جزء من الزواج، وأن الطلاق عار لا يمحى. ولعل أكثر اللحظات إيلاماً في الرواية هي تلك التي تموت فيها حنان على يد زوجها، وتتحول خناقها إلى حدث يغير مسار كل من حولها، فيصبح موتها نقطة تحول تدفع الأبناء إلى مواجهة إرث الأب الثقيل.

يتعامل السرد مع شخصية شهاب، الابن البكر، باعتباره الضمير الحي للرواية، فهو الطفل الذي رأى بعينيه معاناة أمه منذ نعومة أظفاره، فترسخت في ذهنه صورة الأب كوحش لا يستحق لقب الأبوة. هذا التكوين النفسي يجعله الأكثر تشبثاً بموقف الرفض، حتى بعد موت أبيه، حيث يرفض حضور جنازته ويرفض استلام وصيته، معتبراً أن التسامح في هذه الحالة خيانة لذكرى أمه. وفي المقابل، تظهر شخصية نصرة، الابنة الصغرى، كصوت الحنين الذي لا يستطيع التخلص من رابطة الدم، فتزور والدها في السجن وتدعوه إلى التوبة، وتصر على أن الأبوة تبقى حقيقة بيولوجية مهما بلغت بشاعة الذنب. وهذان الموقفان المتضاربان يعكسان أزمة أخلاقية كبرى: هل نلغي الإنسان بسبب جريمة ارتكبها، أم نفصل بين فعله وشخصه؟