لا سكاكين وجع في هذه المدينة

لم يكن مجرد كتاب، بل مدينةٌ نسجها حبرٌ ليُغري القارئ بأن يخطو إلى أزقتها المتعرجة، حيث لا يخلو زقاقٌ من وجعٍ دفين. هنا، لا تبحث عن ضوءٍ ينساب خلسةً من ثقب بابٍ، بل عن نورٍ تولده الشدائد نفسها، نورٌ يضيء دروباً استعصت على الألف. الكاتب، كمن يتقن فن الرسم بالغياب، يرسم لنا الحدائق الغنّاء والطيور المغردة، بينما يحيطه سوادٌ قاتم، ليعلمنا أن خلف كل ابتسامةٍ تخفي النفس حرباً عالمية. لا تقسُ على إنسانٍ، فلا تملك مفتاح عالمه المزدحم بالآلام، ففي كل قلبٍ تضطرم معركةٌ لا تنتهي، تستنزف ألوان الحياة. هذه الصفحات ليست ملاذاً من الهموم، بل مساحةٌ لمواجهة ما يقتل الحب، من صمتٍ وكبرياءٍ، وتذكيراً بأننا أمةٌ تناست العلم والأدب، فباتت أعمى عن رؤية أخطائها، وتُذبح إنسانيتها بدمٍ بارد، بينما يغتال ضميرنا بصمت. لا سكاكين وجع في هذه المدينة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiTpPIbadkYztrInKl7T2PA5KExqMgWuCaXNGjdRSmfkRX1mp2UbB-xBPP2NDf8w2QBaUXBGrkB75DBZ531BQCHs86vS8Dh8j5YAogE-wGss-iWSnYjbN7obEVLpZaLrDJneg_lE5REY1VaqsQDUNekF99EcAkSUxsxxAH2ir6PF0qGAPIWYj6tZzmDczM/s320/296.jpg

لم يكن مجرد كتاب، بل مدينةٌ نسجها حبرٌ ليُغري القارئ بأن يخطو إلى أزقتها المتعرجة، حيث لا يخلو زقاقٌ من وجعٍ دفين. هنا، لا تبحث عن ضوءٍ ينساب خلسةً من ثقب بابٍ، بل عن نورٍ تولده الشدائد نفسها، نورٌ يضيء دروباً استعصت على الألف. الكاتب، كمن يتقن فن الرسم بالغياب، يرسم لنا الحدائق الغنّاء والطيور المغردة، بينما يحيطه سوادٌ قاتم، ليعلمنا أن خلف كل ابتسامةٍ تخفي النفس حرباً عالمية. لا تقسُ على إنسانٍ، فلا تملك مفتاح عالمه المزدحم بالآلام، ففي كل قلبٍ تضطرم معركةٌ لا تنتهي، تستنزف ألوان الحياة. هذه الصفحات ليست ملاذاً من الهموم، بل مساحةٌ لمواجهة ما يقتل الحب، من صمتٍ وكبرياءٍ، وتذكيراً بأننا أمةٌ تناست العلم والأدب، فباتت أعمى عن رؤية أخطائها، وتُذبح إنسانيتها بدمٍ بارد، بينما يغتال ضميرنا بصمت.

لا سكاكين وجع في هذه المدينة خواطر نثرية 296 120 أكتوبر 2019 yes 201091985809 أشرف الزبيري كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhF6Gwn4stOhe_143pRrdfBRPgz28gFBhPIKSgEX2FDrAFc2LdovIzRK-hfJ2DC2_X6q6BbbywZu-kvJlK1gOIkT_45jDpbgq-SFz0CkVtgPzAshlWSJtizsh7vJqvo32t44Qg8cuhkppuhZfj0pCK7GJfX3PjZl-5ZbhgQklGuttunKPwvBL3_UGF_Z1k/s800/%D8%A3%D8%B4%D8%B1%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%8A.jpg

تتوه المدينة في وجعها، تتنفس صمتًا ثقيلًا يلفّ الأرواح كعباءة مهترئة. هنا، حيث تتلاقى الأقدار على أرضٍ باردة، يصبح الحب عملة نادرة، والإنسانية بوصلة ضالة. يتوارى القارئ بين السطور، لا ليبحث عن مجدٍ زائف أو غرورٍ يُغذّيه، بل ليجد في زوايا هذه المدينة المكتظة بالألم سفينة نجاة. الحب، القوة، الضعف، الألم، والأمل، تتشابك خيوطها لترسم لوحة إنسانية معقدة، تكشف عن أسرار القلوب التي تحترق لتضيء دروبًا مظلمة.

يُغادر الشاعر، أو ربما الكاتب، سفينة الأمان ليبحر في رحلة وعيٍ مؤلمة. هو لا يفقد الأمل حتى وهو يتعثر ويسقط، يؤمن أن بصيص نور في ثقب بابٍ قد يقود إلى النجاة. لكنه يستشهد بروح جبران حين يقول: "لا تقسُ على أي إنسان، فأنت لا تدري ما يقاسيه، ولا تدري العالم الذي يعيش فيه". يغرق العالم في حروبٍ نفسية، والضحكات ما هي إلا أقنعة تخفي وراءها صراعاتٍ داخلية لا تنتهي.

تتسامى الروح إلى السماء تناجي الله، تطلب الإنقاذ من حزنٍ يقتل، ومن ضيقٍ يخنق. تضيق الأرض، ويلوث الهواء، ولا يجد الإنسان ملجأً إلا في حضرة خالقه. يرجو العفو والرحمة، وولادة جديدة تحت سمائه. هنا، في هذه الصحراء الروحية، تكمن معاني الصمود، حيث الشدائد تختبر صدق الإنسان وقوة علاقاته. فن التواصل، حتى في الخصام، يصبح فنًا ضروريًا للحفاظ على الروابط.

لكن أمة "اقرأ" لم تعد تقرأ. نخجل من فقرنا المادي، ولا نخجل من فقرنا في العلم والأخلاق والأدب. نشتري كل غالٍ ورخيص، ونتقاعس عن شراء كتابٍ يفتح العقول. نهدر العقل الذي كرّمنا الله به، ونضيع في دروبٍ مظلمة.

نحن لا نبصر. نحتاج نظارات، لأننا فقدنا القدرة على رؤية أخطائنا، ذنوبنا، وعيوبنا. تذبح إنسانيتنا كل يوم، ويُغتال ضميرنا بدم بارد. نسالم بأيدي ملطخة بالدماء، ونعيش بقوانين الغاب.

ما فائدة الأصدقاء، إن كانوا بعيدين روحًا؟ الأصدقاء الحقيقيون هم من يقفون بجانبنا حين نسقط، لا من يشمت بنا. الأيام الصعبة هي مرآة تكشف المعادن الأصيلة، والأزمات تسقط الأقنعة الزائفة. الرجال الصادقون هم السند في أشد أوقات الجنون، هم من يقولون: "معًا في الحياة والموت"، في السراء والضراء.

تتجاوز الكلمات حدود الزمان والمكان، لتعلن عن حبٍ يتحدى المسافات والأحزان. حبٌ يصرخ رغم جفاف البساتين الداخلية، وحروب العالم المتأججة. حبٌ يشبه المرة الأولى والأخيرة، كنهاية الكون. هو امتنانٌ لوجودٍ كان سندًا حين تخلى الجميع، وكتفًا أُسند إليه الرأس، وروحًا آمنت بالصدق حين ولى الهاربون. هو حبٌ حتى الفناء، وربما ما بعد الفناء، في رحاب الخلود.