أشجار الريحان

تبدأ الرواية حيث تنتهي الأساطير، وتلتقي فيها حكايات القرى المصرية بخرافات اليونان القديمة، ليس في تناغم، بل في تصادم يخلق عالماً سحرياً خاصاً. "جارحي" شاب من صعيد مصر، يحلم بدراسة الطب، لكنه يجد نفسه ممزقاً بين حب جامعي محرم، وضغوط عائلية تدفعه نحو السفر والغربة. غير أن القدر يختبره بأكثر من ذلك، إذ تنقله رحلة بحثه عن الثراء السريع إلى متاهات من التهريب والمخدرات، مروراً بمواجهات مع عمالقة أسطوريين داخل مغارات صحراوية غامضة. هنا، تصبح الرواية أشبه برحلة استكشافية داخل النفس البشرية، حيث يتشابك الواقع بالخيال، وتتداخل المآسي العائلية مع الحكايات الخرافية، ليظل السؤال الأهم: هل يمكن للإنسان أن يفلت من أشجار الريحان التي تظلله، أم أنه سيظل أسيراً لجذور تمتد في عمق الماضي والذاكرة الجمعية؟ أشجار الريحان
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg6ozt2PinIlZY2Cdwkl3bg8APhI8qVPrBhhjJmstYXh-ny-2aoRTo6HaNDuXTJtUE-TeFP5SlCg9FLAbpqj8HopT1x6PCYPO9US_SI-l0muizTYIuHB66e2B9WfwugQ95ePkEUCPqVjhXhptppMWQ6JIOoKmDoWF_fsMlF5_v6-XNVTH7ESB47_SyDBpw/s320/591.jpg

تبدأ الرواية حيث تنتهي الأساطير، وتلتقي فيها حكايات القرى المصرية بخرافات اليونان القديمة، ليس في تناغم، بل في تصادم يخلق عالماً سحرياً خاصاً. "جارحي" شاب من صعيد مصر، يحلم بدراسة الطب، لكنه يجد نفسه ممزقاً بين حب جامعي محرم، وضغوط عائلية تدفعه نحو السفر والغربة. غير أن القدر يختبره بأكثر من ذلك، إذ تنقله رحلة بحثه عن الثراء السريع إلى متاهات من التهريب والمخدرات، مروراً بمواجهات مع عمالقة أسطوريين داخل مغارات صحراوية غامضة. هنا، تصبح الرواية أشبه برحلة استكشافية داخل النفس البشرية، حيث يتشابك الواقع بالخيال، وتتداخل المآسي العائلية مع الحكايات الخرافية، ليظل السؤال الأهم: هل يمكن للإنسان أن يفلت من أشجار الريحان التي تظلله، أم أنه سيظل أسيراً لجذور تمتد في عمق الماضي والذاكرة الجمعية؟

أشجار الريحان رواية 591 132 أغسطس 2021 yes 201091985809 رفاعي العسيري كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjQGQxJYsttQAm9RefNUN8RoS2HVXvk1pHRbxETbnezlY-fsXjPbtlGOXlowFyq-VBm-8NQIT3P-afoR-utKu0ZLxNMciSiv1J-GJWT_X1djfbWeftf18ETuWl7e9iXoYPTLu2QQ1QBT9Ak7GNjwHbbdMhQf9Q4jIqb5xVm5XeqKecVVB_wO2KGl1Hpks4/s295/%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D9%8A.jpg

تنطلق الرواية من فضاء قروي تقليدي في محافظة سوهاج، حيث يعيش "جارحي" طفولة بسيطة مع عائلته، وسط حياة الريف الهادئ التي تتغير تدريجياً مع دخول الكهرباء ووسائل العصر الحديثة.

غير أن التغيير المادي لم يغير من قسوة العادات الاجتماعية شيئاً، إذ تتحكم التقاليد القبلية في الزواج والميراث والعلاقات، لتخلق عالماً مضغوطاً ينمو فيه جارحي كشاب طموح يحلم بالدراسة والنجاح، لكنه يصطدم بواقع والده المدين والفقير الذي يضطره إلى العمل والسفر. 

في هذا السياق، يظهر الحب الأول كإشراقة مؤقتة في حياة جارحي، عندما يقع في غرام زميلته الجامعية "جنات"، التي تبادله المشاعر لكنها تتراجع خوفاً من نظرات المجتمع، فتكون هذه الخيبة بداية لسلسلة من القرارات المصيرية، حيث يترك جارحي الجامعة ويتجه إلى عالم التهريب والعمل في الخارج، في خطوة تهدف إلى تحسين وضع أسرته، لكنها ستقوده إلى منعطفات خطيرة.

في أحد فصول الرحلة، ينغمس جارحي وأصدقاؤه في رحلة غامضة لاستكشاف مغارات الجبل بحثاً عن كنوز أسطورية، وهنا تتحول الرواية من سردية واقعية إلى فانتازيا تتقاطع مع الأساطير الإغريقية، حيث يلتقي جارحي بكائنات خارقة ويروي له "استوراي" حكاية الملكة فيرا وصراعها مع أخيها ماركو، في حكاية موازية تعكس صراعات السلطة والخيانة في العالم القديم، كما تعكس صراع جارحي الداخلي بين الخير والشر. 

هذه الرحلة الاستكشافية لا تقدم له كنوزاً مادية بقدر ما تمنحه لقاءً مع ذاته، وتضعه أمام أسئلة أعمق حول مصيره واختياراته، خاصة بعد أن يفقد خاتمه ويتحول إلى حجر، وكأن الواقع يذوب في الخيال ليعيد تشكيل معتقداته. إلا أن العودة إلى الواقع تكون أكثر قسوة، إذ يجد جارحي نفسه في شبكة تهريب الأسلحة والمخدرات، ثم في السجن، حيث يعيش حياة قاسية التفاصيل، لكنها تبقى أقل قسوة من صراعه الداخلي مع فكرة الحب المفقود.

في الجزء الأخير، يخرج جارحي من السجن ليجد الدنيا قد تغيرت، فيبدأ رحلة البحث عن جنات، غير أن البحث لا يكون في المكان، بل عبر النهر الذي يتحول إلى مرآة تنعكس عليها حروف حبيبته، في حوار روحي غريب يخلط بين الواقع والخيال والرغبات المكبوتة. هنا، تتحول الحروف إلى كائنات تتحدث، وتصبح جنات رمزاً للحلم الأنثوي المتعذر، الذي يظل جارحي يطارده حتى في عزلة النهر. 

لكن المفارقة تكمن في أن هذه العلاقة الرقمية التي نشأت على صفحات الماء تنتهي كغيرها من العلاقات، حين تكتشف "الحروف" أنها ليست جنات التي يعرفها، بل امرأة أخرى تمر بأزمة زوجية، ما يدفع جارحي إلى الانسحاب مصدوماً، لكن دون أن يتوقف عن الحلم باللقاء، إذ يصبح البحث عن جنات هو الهدف الذي يمنحه معنى للاستمرار، حتى في مواجهة فقدان كل من أحبهم.