رواء الروح

قد يظن قارئٌ أن هذا الكتاب مجرد تأبين لسيرة السلف، أو رثاء لحال تأخرت عنه الركاب. غير أن رواء الروح ليس كذلك. إنه محاولة جريئة لاستنطاق القرآن الكريم من جديد، ليس بوصفه نصًّا مقدسًا يُتلى، بل بوصفه كائنًا حيًّا يصنع الحياة. يفتح المؤلف صفحاته على مشاهد نادرة من تعلق الصحابة والتابعين بكتاب ربهم، لا ليقف بها عند حدود الحكايات، بل ليطرح سؤالاً محرجاً على هذه اللحظة التي نعيشها: كيف لهذا الكتاب أن يتحول في قلوبهم إلى دولة تغير الواقع، بينما يقبع اليوم في حناجرنا دون أن يغير شيئاً فينا؟ قصص تأخذك من دهشة أبي الدحداح إلى بكاء النبي وهو يسمع القرآن، ومن حرص ابن مسعود إلى خوف عمر بن الخطاب من كلمة. في كل مشهد، لمسة ناعمة تدعوك أن تترك وراءك قراءة التلاوة إلى قراءة التكوين، وأن تعيد اكتشاف ذلك الكتاب العزيز وكأنه نزل عليك للتو. رواء الروح
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEghjGWtw72oojMTAh4DXzipxkhMMdRqIEb7rq45izylyRr-3Z-O-Bq-NLISFuxb9JsE7Ks490jdd7VPNN5LUzNpPnMHmHKMRBk2gTlt7w0srMb2H7ejZ9dvwP14g5c3nIZExg9pHrvkYWelaOr1vLW1UYVEgg_oR5ce1ZcReA-mwUfy04iuEWIUH0NG0GA/s320/621.jpg

قد يظن قارئٌ أن هذا الكتاب مجرد تأبين لسيرة السلف، أو رثاء لحال تأخرت عنه الركاب. غير أن رواء الروح ليس كذلك. إنه محاولة جريئة لاستنطاق القرآن الكريم من جديد، ليس بوصفه نصًّا مقدسًا يُتلى، بل بوصفه كائنًا حيًّا يصنع الحياة. يفتح المؤلف صفحاته على مشاهد نادرة من تعلق الصحابة والتابعين بكتاب ربهم، لا ليقف بها عند حدود الحكايات، بل ليطرح سؤالاً محرجاً على هذه اللحظة التي نعيشها: كيف لهذا الكتاب أن يتحول في قلوبهم إلى دولة تغير الواقع، بينما يقبع اليوم في حناجرنا دون أن يغير شيئاً فينا؟ قصص تأخذك من دهشة أبي الدحداح إلى بكاء النبي وهو يسمع القرآن، ومن حرص ابن مسعود إلى خوف عمر بن الخطاب من كلمة. في كل مشهد، لمسة ناعمة تدعوك أن تترك وراءك قراءة التلاوة إلى قراءة التكوين، وأن تعيد اكتشاف ذلك الكتاب العزيز وكأنه نزل عليك للتو.

رواء الروح علوم دين 621 130 نوفمبر 2021 yes 201091985809 سيد الهاشمي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiup46xbwMh13cwC-32wKasHLRvTXXjyTCxMaX8NYf4pr7NUFAFlfNvGIijnVlEquJCRp3TWB2AbZVRkCYo2Kb3lfxgf06t86Dt8iGqp9uMXU6LwO9ba2qhBs5P7kU5aleXeg4Zl8LYNu9oaqfqzfbY5tQl0tSyKssxsjTZgUvyTz8Llta2TLoqStToBTo/s295/%D8%B3%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%B4%D9%85%D9%8A.jpg

يُقدّم السيد عبدالسلام مصطفى في كتابه "رواء الروح" قراءة نوعية في علاقة الأمة بالقرآن الكريم، مستنداً في ذلك إلى النموذج النبوي وصنيع الصحابة والتابعين، لا بوصفهم شخصيات تاريخية، بل بوصفهم حالةً قرآنيةً متكاملة. من هنا ينطلق الكتاب من إشكالية جوهرية: إذا كان القرآن قد قلب موازين الجزيرة العربية بأكملها، فلماذا أصبح اليوم كتاباً يُهجر في زمن المليارات من المصلين؟ هذا السؤال ليس رثائياً، بل نقديٌ بامتياز، لأنه ينقل همّ السائل من البحث عن الفضائل، إلى البحث عن الأسباب التي جعلت فضائله تتوقف عن العمل.

يمضي المؤلف في الباب الأول ليؤسس لمعرفة تمتد إلى ما هو أعمق من التلاوة، حين يبين أن السلف لم يكونوا يقرأون القرآن ليختموه، بل ليتخذوه منهجاً. يرصد من هنا معالم انقطاعهم عن الدنيا عند آيات الوعد والوعيد، ووقفهم عند الكلمة الواحدة ساعاتٍ يتدبرونها، إلى درجة أن عثمان بن عفان قال يوماً: "لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام الله". وهذه العبارة تحمل في طياتها تشخيصاً لداءٍ لم يزل يعاني منه المسلمون: علاقة تلاوةٍ باللسان دون استنارةٍ بالقلب.

يتجه الكتاب بعد ذلك نحو عرض مكثف لفضائل القرآن، لكنه لا يمر عليها مروراً تقليدياً؛ إذ يغرف من بطون الأحاديث ليؤسس لفكرة أن أهله هم "أهل الله وخاصته"، لا من حيث الحفظ وحده، بل من حيث الالتزام. هنا تظهر مقارنة خفيفة بين مفهوم الحفظ قديماً وحديثاً، فيشير المؤلف إلى أن الحفظ في عصر الصحابة كان بوابة للعمل، بينما صار في كثير من الأحيان غاية في ذاته، أو مهنةً اجتماعية لا تترك أثراً في السلوك. ومن ألطف ما يطرحه في هذا السياق قصة الرجل الذي تزوج بسورة من القرآن، في إشارةٍ إلى أن القرآن كان يمثل عِوَضاً من المال في كل شيء، حتى في المهور.

في المحور الأهم من الكتاب، يتوقف المؤلف طويلاً عند "حال النبي ﷺ مع القرآن"، ليستنبط من سيرته صورة لا تقبل التكرار، لا من حيث الكمال، بل من حيث كثافة التفاعل. يورد مشهداً نبوياً يقرأ فيه النبي سورة النساء حتى إذا بلغ آية الشهادة، ذرفت عيناه بالدموع. وفي مشهد آخر، يصف قيامه ليلاً حتى تورمت قدماه. هذه اللحظات ليست من قبيل العبادة المجردة، بل هي دليل على أن القرآن كان كائناً مؤثراً في كيان النبي ﷺ قبل أن يكون خطاباً موجهاً للأمة. ومن خلال هذه الصور، يكشف المؤلف عن سرّ قدرة النبي على تحمل أعباء الرسالة، وهو أن القرآن كان بالنسبة له رفيقاً، لا مجرد كتابٍ يُقرأ.

أما الفصول التالية، فتتخذ من الصحابة نماذج حية لهذا التفاعل. تبدأ بقصة أبي بكر الصديق الذي كان بكاؤه عند القراءة يمنعه من إتمام الآيات، إلى حد أن النبي قال عنه: "لو كان نبيّاً لنزل عليه جبريل". وتنتقل إلى عمر بن الخطاب، الذي كانت الآيات تزلزله كما تزلزل الجبال، وقصة الفتى الذي ردته آية من القرآن عن فتنة كادت تهوي به في درب الضلال، فكانت كفيلة بأن تجعل منه عبرةً لعمر بن الخطاب حين وقف على قبره. وتمر على عثمان بن عفان، الذي كان القرآن هو همه الأوحد حتى حين أحاط به القتلة، وعلى علي بن أبي طالب الذي كان يختم القرآن في ركعةٍ واحدة في صلاة الليل. ليست النماذج هنا بطولية، بل هي ممارسة يومية جعلت من القرآن غذاءً للروح لا ترفاً للوقت.

يأتي بعد ذلك تتبّعٌ لحال التابعين، من أمثال سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ليرى القارئ أن هذه العلاقة لم تنقطع بموت الصحابة، بل استمرت جيلاً بعد جيل، حيث كان التابعي لا يتجاوز عشر آيات حتى يتعلم معانيها عملياً قبل أن يحفظها لفظياً. يخلص المؤلف من ذلك إلى أن القضية ليست حفظاً، وإنما احتراقاً؛ أي احتراق القلب بحرارة الكلام الإلهي حتى ينصهر السلوك كله في بوتقة القرآن. ويصل إلى نتيجة مفادها أن كل انحراف عرفه المسلمون في تاريخهم لم يأت إلا بقدر ما ابتعدوا عن هذه الممارسة الوجودية للقرآن.

في خاتمة الكتاب، يطرح المؤلف حلّه العملي لما يراه أزمةً حقيقية: أن يعيد كلٌّ منا النظر في علاقته بالقرآن، لا أن يغير من كمّ التلاوة، بل من كيفيتها، وأن يجعل من آياته نقاطاً لتغيير واقعه، لا مسكناً لوهمه. يقرر أن القرآن ليس كتاباً للاستشفاء الروحي فقط، بل هو كتابٌ للخلافة الحضارية، وأن الأمة لن تقوم لها قائمة إلا إذا عاد هذا الكتاب إلى قيادتها كما كان يقود جيل النبوة الأول. يصف بأسلوب مؤثر كيف أن آية واحدة من القرآن غيّرت حال الوزير جعفر بن حرب، فخلع ثيابه ووزارته، ووقف في ماء دجلة يتطهر من ظلمه، وكيف آية أخرى كانت كفيلة بأن تردع فتىً عن الزنا فمات مكانه. تلك لمحاتٌ تثبت أن القرآن يمتلك من الجرأة ما يجعله أقدر على تغيير التاريخ من كل فلسفة وضعية.