دوائر

يوسف، على حافة الهاوية، يتشبث بحبل يتدلى من سقف المصحة، محاولاً إنهاء مسيرة أثقلتها خيانات الزوجة الثانية وسلب ممتلكاته، وفراغ الابنة الوحيدة. هنـاء، طبيبة القلب الذي يعتصر ألماً، تمد يدها لتنتشله من لجج اليأس، رغم إصراره على الغرق. لكن القدر، كعادته، يرسم دروباً غير متوقعة؛ فما كان قمة الانكسار يتحول إلى شرارة انتقام، وحين تظن الأم أن حياتها قد استعادت مسارها، تدق أجراس الموت، تاركةً وراءها ميراثاً يقلب القلوب رأساً على عقب. في خضم هذه العواصف، تظهر أمل، تبحث عن طريقها وسط رماد السنين، لتجد نفسها أمام مرآة الماضي، تلتقي بـ "نورا"، الفتاة التي تحمل في عينيها صدى قصص لم تُروَ بعد. دوائر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEggqfYxMbBVJVguIqz3rS5ISMB1y-0K_L4yQR0AhqsqEj5f1zBz81S54cwqsFKOLV3oDYXu1ePLecwEsCnKUYdzpqdl6hvl0PPJe0oDg9rCBXF96Vla7LUU6DNq6u7tzNn-Z7fv_yjyywB8jL0XcnU_h02foSAU_tIeYzd_MGOiQy7Ie5yU7WLPZ_HhVlE/s320/311.jpg

يوسف، على حافة الهاوية، يتشبث بحبل يتدلى من سقف المصحة، محاولاً إنهاء مسيرة أثقلتها خيانات الزوجة الثانية وسلب ممتلكاته، وفراغ الابنة الوحيدة. هنـاء، طبيبة القلب الذي يعتصر ألماً، تمد يدها لتنتشله من لجج اليأس، رغم إصراره على الغرق. لكن القدر، كعادته، يرسم دروباً غير متوقعة؛ فما كان قمة الانكسار يتحول إلى شرارة انتقام، وحين تظن الأم أن حياتها قد استعادت مسارها، تدق أجراس الموت، تاركةً وراءها ميراثاً يقلب القلوب رأساً على عقب. في خضم هذه العواصف، تظهر أمل، تبحث عن طريقها وسط رماد السنين، لتجد نفسها أمام مرآة الماضي، تلتقي بـ "نورا"، الفتاة التي تحمل في عينيها صدى قصص لم تُروَ بعد.

دوائر رواية 311 84 أكتوبر 2019 yes 201091985809 سارة أبو ريا كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEipFm1wB4RWRvuWjS5ywnkNTtbHKLf1OfRNWe9CMrWdqW-sUvnBnyJAhusw3-HfR8RmV5_JyKNWoX4VIG3e439_Wpqb1RKC6kFLtov1dxRwMJXraTjFHhTorbFJfu7W4xoiz4D39BRUKg2_N37YfWysRGNtXKwNZALZikyjFua3JQxJeTNJFvrJe-_DUes/s295/%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B1%D9%8A%D8%A7.jpg

يوسف يقف على حافة العدم، يربط عنقه بحبل اليأس فوق كرسي مهزوز داخل مصحة نفسية، في مشهد يختزل انكسار الروح حين تجد نفسها وحيدة في مواجهة حطام العمر. لم يكن الحبل مجرد أداة للموت، بل كان صرخة أخيرة ضد حياة سلبت منه كل شيء؛ زوجة ثانية تجردت من الرحمة واستولت على ممتلكاته ثم خلعته، وابنة وحيدة ضلت طريق الزيارة، وطليقة استعادت توازنها في أحضان حياة جديدة وكأنها تمحو أثره من ذاكرة الوجود. الدكتورة هناء، التي تقتحم هدوء الحجرة برهبتها المهنية، تحاول أن تمد جسراً من الكلمات الرقيقة فوق هوة انتحاره، لكن يوسف يرفض العبور، مؤمناً أن البقاء هو العقوبة الحقيقية. ينقذه مقص ممرض يقطع الحبل، لكنه لا يقطع دابر الألم، فيظل يوسف سجين جسد واهن ونفس محطمة، يراقب العالم من خلف قضبان المصحة كأنما يراقب جنازته المؤجلة.

تتقاطع الأقدار لتضع المعلمة أمل في قلب هذه الدوائر المفرغة، وهي التي تحمل في داخلها ندوباً خلفها أب قسره الحرمان طويلاً حتى في لحظات رحيله. كان والد أمل يمثل سلطة القهر التي تجلت في أبهى صورها حين ترك الدنيا ولم يترك خلفه سوى مفاجأة مدوية، إذ وهب كل ممتلكاته لابنته التي عانت من جفافه، تاركاً زوجته نرجس في مهب الغضب والضياع. أمل، التي تشارف على منتصف الثلاثين، تجد نفسها في المدرسة أمام "نورا"، التلميذة التي تعيد تمثيل مأساة التفكك الأسري بصورة عصرية. نورا ابنة يوسف، تعيش مع أمها وزوج أمها الجديد، بينما يذبل والدها في المصحة، وتمارس مراهقتها كنوع من الهروب أو الاحتجاج، فتصطدم بصرامة أمل التي ترى في انحراف الفتاة مرآة لحرمانها القديم.

المصحة تتحول إلى مسرح تلتقي فيه الشخصيات لتبحث عن خلاصها الفردي وسط زحام الخيبات. هناء، الطبيبة التي ترهقها تفاصيل الانهيارات البشرية، تجد نفسها متورطة وجدانياً في محاولة ترميم ما تبقى من يوسف، بينما يبرز عمار كخيط أمل رفيع يحاول أن يربط بين الأرواح المتعبة. يذكرنا هذا التشابك الإنساني بمقولة "فيودور دوستويفسكي" عن أن الألم هو المحرك الوحيد للوعي؛ فكل شخصية في هذه الرواية تدور في دائرتها الخاصة، محاولةً الخروج من مركز الوجع إلى محيط الطمأنينة. أمل تراقب نورا، ونورا تهدد زميلاتها بالفضيحة إذا ما تدخل أحد في شؤونها، والمدرسة تنقسم إلى معسكرين بين مؤيد لصرامة التوجيه ورافض لها في عصر باتت فيه التكنولوجيا بديلاً عن الرقابة الأبوية الغائبة.

تنتهي الرحلة بمشهد يحمل دلالات عميقة، حيث تتشابك الأيدي فوق أسرة المرض وفي ممرات المستشفيات، وكأن النجاة لا تكون إلا بالاعتراف بضعفنا المشترك. يوسف، الذي كان يبحث عن الموت، يجد يده في يد هناء، بينما نورا تستيقظ لترى هذا المشهد الذي يجسد احتياج البشر للغفران والبدء من جديد. أمل، التي عاشت طويلاً خلف أسوار الانتقام من ذكرى أبيها، تغادر المصحة وهي تبكي بشدة، ليس عجزاً، بل تطهراً من ثقل الماضي. تلحق بها نورا، تلك الفتاة التي كانت قبل قليل رمزاً للتمرد، لتحتضنها بقوة ويمضيا معاً في طريق واحد. الدوائر التي بدأت بالانفصال والقطيعة، تنتهي بالالتحام، مؤكدة أن الإنسان، رغم بشاعة الخذلان، يظل يبحث عن قلب يسكن إليه في نهاية المطاف.