السابعة عشرة

مرحلة عمرية لا تشبه أي مرحلة أخرى، يصفها أصحابها تارة بأنها جحيم دنيوي، وتارة بأنها أجمل سنوات العمر. السابعة عشرة: ذلك الزمن الذي تتصارع فيه الطفولة المتأخرة مع الرشد المبكر، وتضطرب المشاعر بين رغبة عارمة في الانعزال وشغف لا يُقهر بالتواصل، بين حلم كبير وشك عميق في كل شيء. هنا، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى كوارث وجودية، وتنمو الأسئلة الكبرى عن الذات، والمستقبل، والمعنى. عابدة فائز، كاتبة في السابعة عشرة نفسها، تقتحم هذه المنطقة المعتمة بجرأة، معتمدة على تجربتها الشخصية وآراء من شاركوها سنّها، لتقدّم شهادة حية عن جيلٍ يبحث عن هويته وسط ضجيج العالم الرقمي وصمت الأهل، ويحاول التمرد على القيود التي لم يطلبها. السابعة عشرة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjVul9g_XPoRMtiMeJTtxb_xs_hszx97XIEB4bk5EAnVt4-aspt1WwzNBuc6r_QsImEF2ckEgevF11zmB9RGtolTRuKJbDfJGb5291xJ9YvZfmIZSL7IDVcaS4mQLHhRLCPMofdKbrICHZlN8ElMw6hJOcAZqa3SUR8JlIvDJ_tG3oKC7Z92KbUPRYgF3Q/s320/680.jpg

مرحلة عمرية لا تشبه أي مرحلة أخرى، يصفها أصحابها تارة بأنها جحيم دنيوي، وتارة بأنها أجمل سنوات العمر. السابعة عشرة: ذلك الزمن الذي تتصارع فيه الطفولة المتأخرة مع الرشد المبكر، وتضطرب المشاعر بين رغبة عارمة في الانعزال وشغف لا يُقهر بالتواصل، بين حلم كبير وشك عميق في كل شيء. هنا، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى كوارث وجودية، وتنمو الأسئلة الكبرى عن الذات، والمستقبل، والمعنى. عابدة فائز، كاتبة في السابعة عشرة نفسها، تقتحم هذه المنطقة المعتمة بجرأة، معتمدة على تجربتها الشخصية وآراء من شاركوها سنّها، لتقدّم شهادة حية عن جيلٍ يبحث عن هويته وسط ضجيج العالم الرقمي وصمت الأهل، ويحاول التمرد على القيود التي لم يطلبها.

السابعة عشرة فكر 680 46 مايو 2022 yes 201091985809 عابدة فائز كاتبة سودانية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjUYKGXwC1mfQEmHmbHgr3KfOMlZh1zxVBpmfqLBhDSdzItsmO27Hr1J9VuKBT3ENEsJvDVNBVCkaRriIuq4aFsyZgsH8zeXU9Uij_CeKbAKNPoXJ65PpWucfl0rAExVb4MyCsdz9iz0SRZPGY_jIkWrUyx6EBeVzos79rpVMlVH1Oa1mThdTYKWtBmD_8/s295/%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D8%A7%D8%A6%D8%B2.jpg

منذ الصفحات الأولى، تغوص الكاتبة في ماهية هذه السن، فتطلق عليها وصف "سن التناقض التام"، وتستعير من "مارك مانسون" مفهوم القلق المضاعف، ذلك الشعور بالقلق من القلق نفسه. 

ترى الكاتبة أن السابعة عشرة ليست مجرد سنة ميلادية عابرة، بل هي "تصفية" لكل السنوات السابقة، ومرحلة تبدأ فيها معرفة الإنسان بنفسه وقدراته، وإن ظلت مشاعره أشبه بعاصفة أو تسونامي. غير أن هذه الرحلة الداخلية ليست منفصلة عن الواقع الاجتماعي؛ فالمراهقون في هذا العمر يجدون أنفسهم محشورين بين وصاية الأهل وضغوط الأقران، وبين رغبة حقيقية في الاستقلال، وافتقار إلى الأدوات التي تمكنهم من تحقيقه. هنا، تشير الكاتبة إلى أن الآباء، في الكثير من الأحيان، يساهمون في تعقيد الصورة، بتشديدهم على النواهي بدلاً من تقديم الحضن الدافئ والكلمة المحفزة.

يتخذ الكتاب منحى نقدياً واضحاً عندما يتناول موضوع الحب والانجذاب العاطفي في هذه المرحلة. تستشهد الكاتبة بالكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، التي تحدثت عن يد تعاقب لأنها كتبت "أحبك"، وتطرح سؤالاً محورياً: لماذا يُجرم المجتمع هذا الشعور الطبيعي ويُلبسه ثوب العار، بدلاً من احتوائه وتوجيهه؟ 

إنه يذكّرنا بحكاية السجناء في الكهف التي يسردها الكتاب لاحقاً، مستعيراً إياها من أفلاطون، حيث يقبع الناس في "زنزانة المجتمع" معتقدين أن الظلال التي يرونها هي الحقيقة كلها، حتى يأتي متمرد يكسر القيود، ويكتشف النور، فيُقتل على يد من بقي في الظلام. هذه القصة، التي ترد في فصل متأخر، ليست مجرد استطراد فلسفي، بل تلخيص رمزي لمحنة المراهق: هو ذاك الذي يرى الحقيقة خلف الجدران، لكن المجتمع يرفض رؤيتها، وربما يُخرجه أو يقمعه.

قسم مهم من الكتاب مخصص لعرض نتائج الاستبيان، الذي يمنح الكتاب طابعاً جماعياً، ويُخرج النص من دائرة الذاتية المحضة إلى فضاء الحوار. إجابات الشباب، التي تتراوح بين اعتبار السابعة عشرة "أجمل السنوات" ووصفها بأنها "مرهقة للغاية"، و"مليئة بالتخبطات"، تكشف عن تجربة مشتركة رغم كل الفروقات الفردية. 

منها ما يشير إلى الشعور بالوحدة حتى بين الجموع، والرغبة في الانعزال، والتحول نحو التدين والروحانية، والنظرة القلقة إلى المستقبل. هناك أيضاً حديث عن تغير المعتقدات، وتصنيف الأصدقاء، والشعور بأن هذه السن تحدد هوية الإنسان القادمة. يبدو أن الكتاب هنا يحاول الإجابة عن سؤال ظل معلقاً طوال النص: هل السابعة عشرة هي البداية أم النهاية؟ الإجابة التي تلوح من بين السطور هي أنها كلا الأمرين، نهاية للطفولة وبداية للبحث عن الذات، لكنها ليست نهاية المعاناة أو بداية الوضوح، بل هي فوضى الوعي الأولى.