عنكبوت اللهفة

كانت رنة الهاتف كمن يوقظ فيّ وهماً قديماً؛ خبراً يخصني، هكذا خُيّل لي. "قم يا ولدي، فقد صدرت نتائج الثانوية العامة". أجل، كانت هذه الكلمات. لم أُفاجأ. أزممت شفتيّ، وقطّبت جبيني، ثم مضيت لأسأل عن المجموع، فجاء الرد: "أعتقد بأنك ستتجه لورشة النجارة بعد رؤيتك له". نهضت مسرعاً، عارياً إلا من قليل من الملابس، لألج عالم الحاسوب. كان منهاجنا الدراسي، بمنطقه العسكري، يثير اشمئزازي؛ دراسة القومية لطالب علمي؟ أأبصم لشعارات الأموات لأحيا؟ نفضت عقلي من غبار أفكار غريبة. جلست، وشغّلت الإنترنت، ولجت إلى "جوجل"، البحث عن نتائج الفرع العلمي. الصفحة، كسلحفاة في بلادنا، فتحت ببطء. وضعت رقمي التسلسلي، وضاقت عيناي بترقب. عنكبوت اللهفة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjhqdRHt52lvoftixZJsYXqvrNmuVvp73tlsYYaPH8M8ik9Gi7DZRXqz_qpHaSZXWYMxx_IwJeTecHWtrEfkYwShu1d7SgcUy1NeVxftixxriUX1fNBTSbIVl9bBiPSndRx1cG_PAVne_9xKijrVTzLSatttNuvSBDDbAtCv9U50ZbL-dw1uUyDG5CuUrY/s320/371.jpg

كانت رنة الهاتف كمن يوقظ فيّ وهماً قديماً؛ خبراً يخصني، هكذا خُيّل لي. "قم يا ولدي، فقد صدرت نتائج الثانوية العامة". أجل، كانت هذه الكلمات. لم أُفاجأ. أزممت شفتيّ، وقطّبت جبيني، ثم مضيت لأسأل عن المجموع، فجاء الرد: "أعتقد بأنك ستتجه لورشة النجارة بعد رؤيتك له". نهضت مسرعاً، عارياً إلا من قليل من الملابس، لألج عالم الحاسوب. كان منهاجنا الدراسي، بمنطقه العسكري، يثير اشمئزازي؛ دراسة القومية لطالب علمي؟ أأبصم لشعارات الأموات لأحيا؟ نفضت عقلي من غبار أفكار غريبة. جلست، وشغّلت الإنترنت، ولجت إلى "جوجل"، البحث عن نتائج الفرع العلمي. الصفحة، كسلحفاة في بلادنا، فتحت ببطء. وضعت رقمي التسلسلي، وضاقت عيناي بترقب.

عنكبوت اللهفة نوفيلا 371 112 يناير 2020 yes 201091985809 وائل كوسا كاتب سوري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjLnC_IK3yRARwHh7F3Yjjk82K-Afwocx9-rxKTPc_9TVKXLOQc98LzO5PerNUQD00Jp8VmKRjOP3UeHyGlWF7jzjusGj38iJKnxydIIMVkbz-2DA9rzdCDpaI026lFaR9yAk_84xeAlEcx-vG7sYZUwK5377D7xaKxO9G-77QblHscC5IkX4ODi07fsEQ/s295/%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9%83%D9%88%D8%B3%D8%A7.jpg

هاتفٌ كبيرٌ يقرعُ أذنَ الزمن، ينبئُ بقدومِ خبرٍ يخصني. "قم يا ولدي، نتائج الثانوية العامة قد صدرت." تأتي الكلماتُ مشوبةً بترددٍ، كأنها تحملُ ثقلَ ما سيتبعها. التجهمُ يعتلي وجهي، وشفتايَ تضيقان. "لقد نجحت!" الخبرُ يحملُ براءةَ البداية، لكنّ الأمَّ، بحدسها الذي لا يخطئ، تلمّحُ إلى مجموعٍ لن يفضيَ إلى ورشةِ النجارةِ التي قد يتخيلها البعض. 

أندفعُ نحو الحاسوب، عارياً جسدي إلا من ثوبِ القلق. منهاجٌ عقيمٌ يتجلى أمامي، يفرضُ عليَّ دراسةَ القوميةِ، شعاراتِ الموتى في زمنٍ عليَّ أن أحياه. أنفضُ غبارَ عقلي المسمّمَ بأفكارٍ غريبة. أدخلُ إلى "جوجل"، هذا المتحري عن الحشراتِ ومحققِ الأمنيات، ثم أطبعُ: "نتائج الثانوية العامة، الفرع العلمي، دمشق". الصفحةُ تفتحُ ببطءٍ، كسلحفاةٍ حبيسةِ أرضنا، لا تعرفُ معنى العدو. أدخلُ رقمي التسلسلي، وأضغطُ زرَّ الإدخال.

ثم يأتي مشهدٌ آخر، حيثُ أستنشقُ أريجَ ذكرى، أحتضنُ ما تبقى منها حتى يتشربَ جلدي. لكنّ القدرَ، بخطوتهِ الغادرة، فصلنا في كلِّ دروبِ اللقاء. أذهبُ إلى سيارةِ الإسعاف، أبحثُ عن جسدٍ كاملٍ لو أردتُ وداعاً يليق. أخبروني بأنهم جمعوا أعضاءها من كلِّ حدبٍ وصوب. تنهمرُ الدموعُ بصمتٍ، تعجزُ عن الخروجِ للتعبيرِ عن ثقلِ الفقد. أذهبُ إلى الجامعة، أبحثُ عن أثرٍ، عن عنوانٍ، لكنّ رئيسَ القسمِ لا يبدي دهشةً، كأنها قطةٌ دهستها سيارةٌ على قارعةِ الطريق. بعد عناءٍ، نجدُ رقماً. أسجلهُ على ورقةٍ أستلها من مكتبه، وأغادرُ محمومًا، لا أدركُ ما يدورُ حولي. 

شهقةُ أمٍّ اخترقتْ سماعةَ الهاتف، تتسللُ إلى أحلامي كلما ذكرتها. أعودُ إلى البيت، أدخلُ غرفتي، أقفِلُ الباب. سريري يحتضنُ نحيبي المتكاثر، حتى تجلبَ أصواتُ بكائي عائلتي. الطرقاتُ على البابِ لا توقفُ سيلَ الدموعِ المنهمرة، سيلٌ كسرَ سدّاً عظيماً. أقضيُ ثلاثةَ أيامٍ في حضنِ أمي، أبكي نفسي، أبكيها، أبكي حظي. لم تكن لي كزوجةٍ، لكنني كنتُ أقتاتُ على زفيرها. ما كُسرَ في داخلي لم يكسرهُ شيءٌ قبله، لا وفاةُ والديَّ ولا إخوتي.

في مكانٍ جديد، على ضوءِ الشموع، أحلمُ بلقاءٍ لم أعد أريده مع زوجتي، لا لأنني أكرهُ الرومانسية، بل لأني أمقتُ الروتين. ظننتُ أن هذا المكانَ يتيحُ لنا تجربةً جديدة، "أريدُ أن أفحصَ مشاعري، أريدُ أن أريكَ قدرتي الإبداعية في صناعةِ جوٍّ رومانسيٍّ سيسرقُ لبّك". افترقنا على أملِ لقاءٍ غدٍ. أمشي على كتفِ نهرٍ، تأملتُ جمالَ المدينةِ الساحرة. عقلي يتولى مهمةَ التفكيرِ في حديثنا، تماثيلُ الضحايا تذكرني ببلدي، لو أرادت نحتَ تمثالٍ لكلِّ شهيدٍ، لتغصَّ شوارعنا. 

أتصلُ إلى البيتِ عند العصر، كلبي الصغيرُ في استقبالي. أدخلُ غرفتي، أبدلُ ملابسي، أنظرُ بيأسٍ إلى صندوقِ الشموعِ الذي اشتريتهُ صباحًا، تحضيراً لعشاءٍ تحوّلَ إلى أسطورةٍ لن تُعاش. أخذتني غفوةٌ، رأيتُ فيها نفسي أركبُ غيمةً سوداء، على وشكِ الهطولِ كقطرةِ مطر.