الزلزال

هنا، لا يزحف الموت ببطء، بل ينقض كالزلزال، فيسوي بالأرض البيوت والأحلام والوجوه دفعة واحدة. رواية "الزلزال" لريبر هبون ليست مجرد سرد لكارثة طبيعية، بل هي حفرةٌ مظلمة نطل منها على وحشية الإنسان في أكثر لحظاته عرياً. في بلدة كردية منسية، حيث تتقاسم الفصائل المسلحة الأرض والنساء، حيث يصبح السجن معادلاً للوطن والموت راحةً من الذل، يضرب الزلزال ليكمل ما بدأه الغزاة. نتابع عبر فصول متشابكة مصائر أبطال علقوا بين ركام الحرب وركام الطبيعة: لزكيين الذي يكتب رسائل حب لرونيا التي اختفت في سجون عفرين، وبيكس الذي يقرأ تلك الرسائل بين الأنقاض، ورونيا التي تصارع الموت البطيء داخل زنزانة، وأبو بروسك الذي يحمل جثة ابنته على كتفه ولا يدري أين يدفنها. بأسلوب شاعري عنيف، يرسم هبون لوحة سوداوية عن كوردستان المعذبة، حيث حتى الزلزال يصبح مجرد فاصلة في سلسلة مآسي لا تنتهي. الزلزال
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhpiGawKIDBaPt0DzXsgPR35mMVl1pwkWT2BDSQ3GBFFGCMrL7h1l7Vmjn1re3GgN4xHbJP2n-uO2RTT0_MGzOBMH2e1jzlnEmm0cnUYgk1cvYvysXeiwj_qPXUzZTWrFNTrcG1iX6q-bnLxLF7WOkivkdrI9Tr8SJDTuifu0wZ67U4XZHqqDn6wNR7U-o/s320/734.jpg

هنا، لا يزحف الموت ببطء، بل ينقض كالزلزال، فيسوي بالأرض البيوت والأحلام والوجوه دفعة واحدة. رواية "الزلزال" لريبر هبون ليست مجرد سرد لكارثة طبيعية، بل هي حفرةٌ مظلمة نطل منها على وحشية الإنسان في أكثر لحظاته عرياً. في بلدة كردية منسية، حيث تتقاسم الفصائل المسلحة الأرض والنساء، حيث يصبح السجن معادلاً للوطن والموت راحةً من الذل، يضرب الزلزال ليكمل ما بدأه الغزاة. نتابع عبر فصول متشابكة مصائر أبطال علقوا بين ركام الحرب وركام الطبيعة: لزكيين الذي يكتب رسائل حب لرونيا التي اختفت في سجون عفرين، وبيكس الذي يقرأ تلك الرسائل بين الأنقاض، ورونيا التي تصارع الموت البطيء داخل زنزانة، وأبو بروسك الذي يحمل جثة ابنته على كتفه ولا يدري أين يدفنها. بأسلوب شاعري عنيف، يرسم هبون لوحة سوداوية عن كوردستان المعذبة، حيث حتى الزلزال يصبح مجرد فاصلة في سلسلة مآسي لا تنتهي.

الزلزال رواية 734 216 يونيو 2023 yes 201091985809 ريبر هبون كاتب سوري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjwmTDsz3Z85JRqV-31iNSPuttVHA4vNVolf3SN6aE2yzrCNvHcDbDLEP94GugSFNHSzQ8E6vpspUbkjkYeKsvr4jUA3D_xb0HwYVTlmXT4BHaKkl06O-KejWH2OVhRmY2lYj9yrAFGWnFGEXeqyDz1ArYQOyq2C1cFvrqyEODAkyTTLAWuV7kAJtk653I/s295/%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D8%B1-%D9%87%D8%A8%D9%88%D9%86.jpg

تفتتح الرواية بمشهد زلزال عنيف يدمر بلدة جنديرس الكردية في شمال غرب سوريا، ليجد أبو بروسك نفسه يبحث بين الأنقاض عن أشلاء أبنائه الثلاثة الذين كانوا نائمين قبل دقائق. لكن المأساة لا تقتصر على الزلزال؛ فهي امتداد لحرب طاحنة كانت قد سبقته، حيث سيطرت الفصائل المسلحة المدعومة تركياً على المنطقة، ونهبت البيوت واغتصبت النساء وقطعت أشجار الزيتون. 

في هذا السياق، تلتقي الكارثة الطبيعية بالكارثة الإنسانية، فتصبح الأرض رماداً والجثث أثاثاً للمشهد. غير أن الرواية لا تكتفي بهذه البانوراما، بل تتعمق في مصائر شخصيات متعددة: لزكيين، الشاب الكردي الذي هرب من عفرين إلى تركيا، يكتب رسائل حب ممزوجة بالألم إلى حبيبته رونيا التي فقدت أخبارها بعد اعتقالها؛ وبيكس، الشاب الآخر الذي ينجو من الموت مصادفة ويقرأ تلك الرسائل التي وجدها تحت الركام؛ ورونيا نفسها، التي تقبع في سجن تابع للفصائل، وتتذكر حبيبها وتصارع الاغتصاب والتعذيب والجوع؛ وأبو بروسك، والدها الذي يبحث عنها في السجون والمستشفيات حتى يجد جثتها في براد الموتى.

تتشابك الأصوات الروائية لتشكل نسيجاً من الألم الجماعي، حيث تنتقل الكاتبة بين سرديات مختلفة: رسائل لزكيين التي تشبه اليوميات الشعرية، ومونولوج رونيا الداخلي في الزنزانة، وحكايات الناجين في الخيام، وخطابات قادة الفصائل التي تكشف عن عبث السلطة واستهتارها بحياة البشر. 

إلى جانب ذلك، ترصد الرواية الواقع السياسي المعقد لكردستان، من خلال شخصية العم أوسمان أمدي، الرجل العجوز الذي يحمل ذاكرة تاريخية تمتد لعقود من القمع والتمرد، ويصبح مرجعاً حياً للشخصيات الأصغر سناً كزيلان وبيكس. 

فلا تخلو الرواية من حوارات عن القومية الكردية، وعن دور الأحزاب السياسية، وعن الاستغلال التركي للفصائل السورية، وعن معاناة اللاجئين الذين يموتون في البحر بحثاً عن حياة كريمة. بهذا المعنى، تصبح الرواية موسوعة مصغرة للقضية الكردية، لكنها موسوعة مكتوبة بالدم والحنين، لا بالأرقام والوثائق.

على المستوى الأسلوبي، تمتاز الرواية بلغة شعرية عالية التكثيف، تميل إلى الصور المأساوية والتشبيهات العنيفة، كأنها تحاكي عنف الأحداث ذاتها. فالجثث تصبح "كتلاً رخامية"، والزلزال "فم ضخم يفتح فكيه لقضم الحياة دفعة واحدة"، والحب يتحول إلى "سجن انفرادي يسجن سحنات الحبيب". 

غير أن هذه اللغة، رغم جمالها، قد تشكل أحياناً عبئاً على القارئ، إذ تخلق فجوة بين التعبير الشعري والواقع المروي، وتجعل بعض المشاهد تبدو وكأنها لوحات سوريالية أكثر من كونها أحداثاً درامية. كما أن تعدد الشخصيات والانتقال السريع بينها قد يربك القارئ في البداية، لكنه مع تقدم الرواية يدرك أن هذا التعدد هو انعكاس لتشرذم الذات الكردية نفسها، التي تبحث عن صوت واحد وسط فوضى الأصوات.