هواجس

في ديوان "هواجس"، يفتح الشاعر محمد بايحيا نافذةً على روحٍ تتأرجح بين وجع الذات وهَمِّ الوطن، حيث تتحول الكلمات إلى نبضٍ يعكس صراعاً داخلياً محتدماً بين الرغبة في البوح والخوف من القيود. إنها قصائد تنبض بالحسرة، وتغوص في أعماق الإحساس بالغربة، ليس غربة المكان فقط، بل غربة الروح عن نفسها وعن زمانها. بين محطة القطار التي تتحول إلى رمزٍ للانتظار الأبدي، وصرخة المستضعف في وجه الظلم، يرسم الشاعر لوحةً شعريةً تمتزج فيها الذاتية بالسياسية، والوجدان بالاحتجاج. ليست "هواجس" مجرد مجموعةٍ من النصوص، بل هي مرثيةٌ لحلمٍ ضائع، وصرخةُ أملٍ في آنٍ واحد، تذكرنا بأن الشعر، في جوهره، هو ذلك الصوت الذي يظل يصدح بالرغم من كل كوابيس الصمت والنسيان. هواجس
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEggHXwGPtwu-rwjM7ywiRxvSXVX0suUdDQJXptDktn0hGWGvgvNSx5belmVNSwssBO2ADo7vK-eOOrug8_RHyBBw7lzru6qu3GIO8hydeyiueHnjWMD_HHruaVMHRs6XGRfLFrfr9lIYXE6RWltBze21NgK8bAwmpfetm-NEuQQFONIi-V3DQOp1-o5aKA/s320/527.jpg

في ديوان "هواجس"، يفتح الشاعر محمد بايحيا نافذةً على روحٍ تتأرجح بين وجع الذات وهَمِّ الوطن، حيث تتحول الكلمات إلى نبضٍ يعكس صراعاً داخلياً محتدماً بين الرغبة في البوح والخوف من القيود. إنها قصائد تنبض بالحسرة، وتغوص في أعماق الإحساس بالغربة، ليس غربة المكان فقط، بل غربة الروح عن نفسها وعن زمانها. بين محطة القطار التي تتحول إلى رمزٍ للانتظار الأبدي، وصرخة المستضعف في وجه الظلم، يرسم الشاعر لوحةً شعريةً تمتزج فيها الذاتية بالسياسية، والوجدان بالاحتجاج. ليست "هواجس" مجرد مجموعةٍ من النصوص، بل هي مرثيةٌ لحلمٍ ضائع، وصرخةُ أملٍ في آنٍ واحد، تذكرنا بأن الشعر، في جوهره، هو ذلك الصوت الذي يظل يصدح بالرغم من كل كوابيس الصمت والنسيان.

هواجس شعر 527 86 فبراير 2021 yes 201091985809 محمد بايحيا كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhhJ4jQUf0jBMxtNngzBL3Htufyosyu6DCoFBASr4tyOChldbW2YVBihDiy5Snj5x4d4tAVeKJOFOjdcd4lXf_FX0O7Vy4Kr0ZDnhEezEMc6t_bixjLtDLKBBD1vbCTrM-ftjpt7z054V60Niun5nN2l5haAPW9Wj11lDsM2-Q4vhgunxsLyEu7Hsdu5Ug/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D8%A7%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D8%A7.jpg

يُفتتح الديوان بقصيدة "إهداء" التي تعلن عن نية الشاعر في استدعاء الذاكرة العائلية، حيث يهدي أعماله إلى والده الذي علمه الصمود، وإلى إخوته الذين يشكلون سنده، وإلى "حرف شامخ" في حياته، وإلى كل من يتعثر للعيش بين ركام الموتى. هذا الإهداء ليس مجرد افتتاحية، بل هو بمثابة بيانٍ شعريٍّ يعلن عن مضامين الديوان: الحنين إلى الماضي، وتقدير العلاقات الإنسانية، والنظرة إلى الحياة كمعركةٍ مستمرةٍ بين الأمل واليأس. ومن هنا، تبدأ الرحلة الشعرية عبر نصوصٍ متنوعةٍ تتقاطع فيها الأصوات، وتتعدد فيها الأغراض، لتشكل معاً لوحةً معقدةً لمشاعر إنسانٍ يعيش في زمنٍ مضطرب.

تتوزع القصائد بين ثلاثة محاور رئيسية: المحور الذاتي الوجداني، والمحور الاجتماعي النقدي، والمحور الروحي التأملي. ففي المحور الأول، نجد قصائد مثل "سيدة النساء" التي تمجد الأم، و"إليك أنت" التي تغني بأنوثةٍ استثنائية، و"ليتها تأتي" التي تتغنى بالرغبة في الهروب إلى مكانٍ بعيدٍ عن ضجيج الحياة. 

غير أن هذا التمجيد لا يخلو من نبرة حزينة، إذ يبدو الشاعر كمن يحاول التمسك بالقيم النبيلة في عالمٍ يتهددها الزوال. وفي قصيدة "أنا هنا"، يتحول الانتظار في محطة القطار إلى استعارةٍ وجوديةٍ للترقب المستمر، حيث يصبح الشاعر رمزاً لمن ينتظرون غائباً لا يعود، ويتحول الانتظار إلى حالةٍ دائمةٍ تستهلك العمر وتجعل الحياة مجرد احتضارٍ بطيء. هذه القصيدة، بتكرارها لعبارة "أنا هنا"، تخلق إيقاعاً تراجيدياً يعكس الشعور بالجمود واللامكانية.

أما المحور الثاني، فيتجلّى في قصائد ذات نزعة اجتماعية ناقدة، كقصيدة "يا سالم ويا سالم"، التي ترسم صورةً مثاليةً لوطنٍ تسوده العدالة والأمان، لتكشف عن التناقض بين الحلم والواقع، وتعبر عن توق الشاعر إلى حاكمٍ عادلٍ ومجتمعٍ متكافل. وفي "أنساب اللقطاء"، يقدم الشاعر مشهداً ساخراً لصلاة الاستسقاء خلف إمامٍ فاسد، ناقداً بذلك ازدواجية الطبقة الحاكمة التي تظهر التدين في العلن بينما تمارس الظلم في الخفاء. وتأتي قصيدة "أنا والوطن" لتطرح بإلحاحٍ سؤال الهوية والانتماء، حيث يعبر الشاعر عن شعوره بالغربة داخل وطنه، ويفضح التمييز الطبقي والقمع الذي يمارسه الساسة والتجار بحق المواطنين، متسائلاً عن حقه في التعبير في زمانٍ تُسْتَباح فيه الكرامات. كما تعكس قصيدة "هناك" تحللاً أخلاقياً متسارعاً، حيث يرحل الحب والحياء والصدق عن المكان، ليحل محلها النفاق والظلم، في مشهدٍ يصور انهيار القيم في المجتمع المعاصر.

أما المحور الثالث، الروحي التأملي، فيظهر في قصائد تتناول علاقة الإنسان بخالقه ومعاناته الوجودية، كقصيدة "تنفس" التي تشبه النفس البشري بحالةٍ من التقلب بين الأمل واليأس، وتدعو القلب إلى الصبر والثقة بالله، و"من غيرك أرجو" التي تعكس صراعاً مع المرض والحزن، وتستجدي الفرج الإلهي. وفي قصيدة "عجز الكلام"، يصل الشاعر إلى ذروة إحساسه بالعجز، حيث تصبح الكلمات نفسها عاجزة عن التعبير عن الألم، ويتحول الصمت إلى سجنٍ يقتل الروح رويداً رويداً.