بناية ليليان

ليست مجرد بناء من حجر. بناية ليليان كائن حي يتنفس بذكريات سكانها، يئن بأسرارهم، ويشهد على تناقضاتهم الخفية. جمال عبد الله مصطفى يمنحنا رواية تتحرك على وترين متوازيين: نبض إسكندرية القديمة بعبقها التاريخي، وصخب الحياة اليومية لسكان عمارة عتيقة تحتضر. هنا، في شقق البناية المتهالكة، يلتقي بوابها الفقير بتاجر الآثار، والمحامي الماكر بالمعلمة المتدينة التي تخفي خلف نقابها حياة أخرى، والمهندس الخائن بزوجته المكلومة. خالد، الأخصائي الاجتماعي الذي يمارس التلصص بحجة الإصلاح، يجمع خيوط هذه الحكايات المتشابكة من خلف نافذته، ليكتشف أنه ليس مصلحاً، بل مجرد متفرج يدفع ثمن فضوله أضعافاً. حين تبدأ البناية في التفريغ من سكانها واحداً تلو الآخر، وتتساقط جدرانها، تتساقط معها أوهام بطلنا عن الحب والعدل والصلاح. رواية تعيد تعريف مفهوم الجار، وتجعلك ترى في كل نافذة مفتوحة حكاية لا تُروى. بناية ليليان
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhQkCyLrqTH5EJ_njDCFNffw3osehVCMMRzxmhu6S_cfLAEuEKVDnFhMhDYXni5qkg0kCexVuzXsg0PioH6KFgTNrNPgljKEM89JTyTk6oeG6iiw0I-zE6s1TCzrYXFwMvt1RQKXdQJ35hg0aMRtTNmPJUxWEAZ3sKPKrWPtYKe93vgwlts4w43QoYOfY4/s320/618.jpg

ليست مجرد بناء من حجر. بناية ليليان كائن حي يتنفس بذكريات سكانها، يئن بأسرارهم، ويشهد على تناقضاتهم الخفية. جمال عبد الله مصطفى يمنحنا رواية تتحرك على وترين متوازيين: نبض إسكندرية القديمة بعبقها التاريخي، وصخب الحياة اليومية لسكان عمارة عتيقة تحتضر. هنا، في شقق البناية المتهالكة، يلتقي بوابها الفقير بتاجر الآثار، والمحامي الماكر بالمعلمة المتدينة التي تخفي خلف نقابها حياة أخرى، والمهندس الخائن بزوجته المكلومة. خالد، الأخصائي الاجتماعي الذي يمارس التلصص بحجة الإصلاح، يجمع خيوط هذه الحكايات المتشابكة من خلف نافذته، ليكتشف أنه ليس مصلحاً، بل مجرد متفرج يدفع ثمن فضوله أضعافاً. حين تبدأ البناية في التفريغ من سكانها واحداً تلو الآخر، وتتساقط جدرانها، تتساقط معها أوهام بطلنا عن الحب والعدل والصلاح. رواية تعيد تعريف مفهوم الجار، وتجعلك ترى في كل نافذة مفتوحة حكاية لا تُروى.

بناية ليليان رواية 618 232 نوفمبر 2021 yes 201091985809 جمال عبد الله مصطفى كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh3Kdm2AAPDwy8dvRUa8muiD0PRlq73poFoc6g5swTB-JLAOq8-vSTH6Rb_WaPL43cuAsieMa6un12keVNWHekQKqYrbczLH1NMl2Nu2CBaU8c2Xz6SJmgQFkme1E_5YqLyBYIAWw8H2z7IjjvnurOUm9eWbmQ_ZhN0Kvxj579ZNmj8PS7Qzj1g7O2CxXc/s295/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89.jpg

على كورنيش الإسكندرية، في منطقة الشاطبي، تقف بناية ليليان كشاهدة على تاريخ مضطرب. بناها رياض باشا الأغا ليونانيته ليليان، بعد هروبه من زوجته الأولى، لكن القدر لم يمهله طويلاً، إذ قُتل هو وحبيبته في شقتهما، وترك البناية لتكون مسرحاً للقصص التي لا تنتهي. عبر سبعة عقود، تتوارث البناية سكاناً من كل الطبقات، تتحول شققها من مساكن للأجانب إلى مأوى للفقراء والوافدين، ثم إلى مطمع للمقاولين. 

لكن العمود الفقري للرواية، والذي يمنحها متانتها، هو خالد، الأخصائي الاجتماعي الذي يسكن البناية المجاورة، ويقضي حياته يتأمل عمارة ليليان من نافذته، مفتوناً بجمالها وبسكانها الذين يتغيرون باستمرار. بيد أن هذا الفضول سرعان ما يتحول إلى هوس، حين يقرر خالد أن يستخدم منظاره العسكري ليرى ما وراء الجدران، متخذاً من التلصص أداة لإصلاح ما يفسده الناس، أو كما يزعم لنفسه.

تتوالى الأحداث عبر سلسلة من الفصول المترابطة، كل فصل يركز على شقة من شقق البناية، وعلى جار من جيرانها. نتعرف على سهير، الأم المطلقة التي تبيع جسدها لطارق المهندس الخائن كي تسدد ديونها، ثم تتزوج من سمير زميل خالد وتتغير حياتها بالكامل. نتابع مروة، المدرسة الجذابة التي تقبل الزواج من دكتور مدحت الصيدلي بعد أن كان التلصص سبباً في كشف حقيقته. 

ونشهد مصير مريم، الفتاة المسيحية التي أقعدها حادث في ليلة زفافها، والتي كانت تتخفى خلف شخصية أميرة المسلمة على فيسبوك، وتخوض مع خالد علاقة عاطفية افتراضية عميقة. كما نرى عواطف، الزوجة المهجورة التي تعمل خادمة لدى الدكتور ثروت، وتتحول شقتها إلى كازينو سري، ونشهد جريمة القتل في مكتب المحامي كمال أبو زيد الذي يخطط لشراء البناية بأكملها.

الرواية لا تكتفي بسرد هذه الحكايات المتفرقة، بل تبني منها نسيجاً معقداً. خالد، الذي بدأ متلصصاً بحجة الإصلاح، يكتشف أنه في كل مرة يتدخل فيها، فإنه يترك أثراً أسوأ مما كان. فهو الذي نبه سهير لتنتهي علاقتها بطارق، لكنه سبب في فضيحة أخرى. وهو الذي كشف جريمة القتل لكنه كتم الشهادة، فماتت ليلى ابنة عفاف كمداً. 

البناية تتفكك ليس بسقوط حجارتها، بل بسقوط سكانها وهم يغادرونها واحداً تلو الآخر: طارق يبيع شقته ويهرب، سميرة سكر تغادر بعد فضائحها، الدكتور ثروت يموت كمداً بعد أن باع أبناؤه شقته، سهير وسمير يرحلان إلى حي آخر، وأخيراً مريم تسافر إلى أمريكا ثم تعود لتجد خالد في حالة انهيار تام، وقد فقد أمه وحبيبته الأولى علياء التي زارته في مشهد مؤثر ثم رحلت مع زوجها وأطفالها.