أحببت قمراً

ترتعش القصيدة حين تعبر عن شغفٍ لا يجد له منفذًا، وحبٍ يرتعش على حافة الوجود. هكذا تبدأ "رانيا الحسيني" رحلتها في "أحببتُ قمراً"، حيث تجرّدت الكلمات من جلدها الحرفي لتنساب كنهرٍ لؤلؤي، يغمر الروح بفيضٍ من المشاعر المتلاطمة. لا يتعلق الأمر هنا بلقاءٍ عابر أو عتابٍ ساخط، بل هو غوصٌ في أعماق النفس الإنسانية، حين تتشابك الأشواق مع خيوط الأمل، وتتشظى الأحلام على صخرة الواقع المرير. في هذا العالم، تتداخل الأرواح كأوتار آلةٍ قديمة، تعزف لحنًا حزينًا عن فراقٍ محتوم، وعن قلبٍ صقلته التجارب حتى كاد يفقد نبضه. حين تتحدث عن "موعدنا ذات صباح"، لا تعد بصباحٍ يشرق بالبهجة، بل بصباحٍ مؤجل، يولد من رحم العناد والإصرار على استعادة الذات المفقودة. هو استدعاءٌ لروحٍ كادت أن تتحول إلى مجرد دمية، لكنها نهضت من رمادها، نفضت غبار الخيانة، واستعدت لملاقاة قدرها. هنا، تذوب المسافات بين القلوب، ويصبح الحنان جسرًا يعبر به القلب المنهك إلى بر الأمان. هذه الخواطر ليست مجرد سطورٍ تُقرأ، بل هي همساتٌ تتردد في أروقة الروح، تذكرنا بأن الحب، بجميع تجلياته، هو قدرٌ محتوم، ودرسٌ لا ينتهي. أحببت قمراً
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjX5mQGPMDnDFNgSw80fSpJY8SImw04rD_q3r6xI3Not6keqYMme-jiS_y1utmpjzXByob8oMNg3Zyas5mLQIyAV6m1Iy3LVxAFwVTkHyXb2FXI_gn35RHf614Sahob2iOi34asKALP8f9W-XsnpD-EFd76YEU3Kpib9NoRuIc2HO1srRM6127BhJ-zHi0/s320/289.jpg

ترتعش القصيدة حين تعبر عن شغفٍ لا يجد له منفذًا، وحبٍ يرتعش على حافة الوجود. هكذا تبدأ "رانيا الحسيني" رحلتها في "أحببتُ قمراً"، حيث تجرّدت الكلمات من جلدها الحرفي لتنساب كنهرٍ لؤلؤي، يغمر الروح بفيضٍ من المشاعر المتلاطمة. لا يتعلق الأمر هنا بلقاءٍ عابر أو عتابٍ ساخط، بل هو غوصٌ في أعماق النفس الإنسانية، حين تتشابك الأشواق مع خيوط الأمل، وتتشظى الأحلام على صخرة الواقع المرير. في هذا العالم، تتداخل الأرواح كأوتار آلةٍ قديمة، تعزف لحنًا حزينًا عن فراقٍ محتوم، وعن قلبٍ صقلته التجارب حتى كاد يفقد نبضه.

حين تتحدث عن "موعدنا ذات صباح"، لا تعد بصباحٍ يشرق بالبهجة، بل بصباحٍ مؤجل، يولد من رحم العناد والإصرار على استعادة الذات المفقودة. هو استدعاءٌ لروحٍ كادت أن تتحول إلى مجرد دمية، لكنها نهضت من رمادها، نفضت غبار الخيانة، واستعدت لملاقاة قدرها. هنا، تذوب المسافات بين القلوب، ويصبح الحنان جسرًا يعبر به القلب المنهك إلى بر الأمان. هذه الخواطر ليست مجرد سطورٍ تُقرأ، بل هي همساتٌ تتردد في أروقة الروح، تذكرنا بأن الحب، بجميع تجلياته، هو قدرٌ محتوم، ودرسٌ لا ينتهي.

أحببت قمراً خواطر 289 108 سبتمبر 2019 yes 201091985809 رانيا الحسيني كاتبة مصرية

تتشقّق الأرواحُ في لحظاتِ الحبّ الأولى، فتُصبحُ كلماتُنا ترانيمَ شوقٍ، ونداءاتٍ تتكسّرُ على صخورِ الواقع. تبدأُ الحكايةُ بذاتِ صباحٍ متخيّل، حينَ تتوقفُ الأعينُ عن مطاردةِ تفاصيلِ الحبيب، وتُهملُ الرسائلُ وأسئلةُ العناق. سيأتي هذا الصباحُ يومًا، يحملُ اختبارًا لقوةِ الذاكرة، أسألُ نفسي كم حرفًا حفظتُ من رسائلك، وكم سطرًا كتبتُ. حينها، سأكفُّ عن معاتبتك إلى الأبد، ويقفُ القلبُ عن غصّته التي تزعزعُ كلَّ ساكنٍ فيَّ. لن أمنّي النفسَ بوجودك بجانبي، ولن أكررَ أنك أهلي وأرحمي. سأغلقُ قلبي حتى تقبضَ روحي، وأنقشُ عليه "رحلَ مع من رحلوا". ستصمتُ الحروفُ داخلي، وتفقدُ الكلماتُ معناها، فإن حاجتي إليها قد انعدمت منذُ كففتُ عن إخبارِك بأخباري. موعدنا ذاك الصباح، أليس الصبحُ بقريب؟

لأنني أحببتُ روحك، لا مكانَ للمجادلاتِ التي تُفرّقُ بنا. نتجاذبُ أطرافَ الحديث، وأغادرُ حتى لو لم يكن هناك لقاءٌ أساسًا. لكن سرعان ما يصفو القلب، وتبدأُ الخطاب. ليس هذا حبَّ الروحِ الذي لا تُمارسُ فيهِ إهدارَ الكرامة، بل هو قلةُ اعتبارٍ لذاتي، وقلةُ تقديرٍ منك. أحببتُ ملامحك، ورجاحةَ عقلك، وفخامةَ مكانتك. لو انبهرتُ بعلمك أو عاملتُك بندٍّ، ما كان حبّي لكَ ليجرّدُه النفاقُ والمنافع. أحببتُ روحك، تلك التي لن تفارقني إلا بفراقِ الروحِ مني. فالوجوهُ والأفكارُ والعقولُ تتشابه، لكن الروحَ تبقى فريدة.

تعترينا مشاعرُ تكادُ تفيضُ من بينِ جوانبنا، فنحتارُ. هل نحنُ معذورون في حبنا؟ أم أنَّ نقاءَ ما بنا قد أُرغمنا على الحيد؟ هل لدينا وجهانِ في عالمِ الحبّ، أم أنَّ القلبَ هو الذي يعكسُ حقيقتنا؟ في عالمِ الحبّ، قد تجدُ نفسَك مع إنسانٍ لا تعرفه، لكنَّ تصرفاتهِ وأفعالهِ فرضتْ وجودها، وأخذتْ حيّزًا ومكانًا، فقط من كثرةِ الشوقِ واللقاءِ المُحال. قد تتمنى لو أنَّ هناك من يحملُ عنك ثقلَ ظهرك، ومن يُخففُ عنك ألمًا وتنهيدةً لا تلقي لها بالًا. نلومُ أنفسنا، ونعاقبها لطمعها في راحةٍ لم تكن لها، ولا يجبُ أن يُفتحَ لها باب. في عالمِ الحبّ، تُضحكُ وتبكي، تُسعدُ وتُشقى. عجبتُ منك، فأنتَ من تُقلّبُ الليلَ نهارًا، وتُطفئُ نورَ الأقمار.

هذا ما بيني وبينك، يا حبيبي. هناك أشياءُ خُلقت لتبقى في القلب. أعشقُ أنفاسك وهمساتك، وأحنو لصوتك ونبراتك. تدمعُ عيناي لشوقك وفراقك، وأتخبطُ ليلي وأزهدُ نهاري. أنت سري الذي لا أباهي به، ونجمي الساطع في سمائي. أنت وريدي الذي تضخُ منه حياتي. أحفظُ ملامحك ولم أركَ من قبل، وأطمئنُّ لكَ ولم أقابلكَ يومًا. أؤمنُ على نفسي بين طياتِ إحساسٍ لم أمسكْهُ قط. أتركُ دنياي وأهجرها كي تشملني حنانُك أنت. أكسرُ صمتَ بوحي بين يديك، وأبكي بما يخفي، فقط بضمتك أنت. أرمي خجلي، وأتلفّحُ بك، وأجهرُ بما فيّ. أليس حرامًا أن يموتَ مثلُ هذا الحب؟ أليس حرامًا أن يُخنَقَ بين قربٍ ليس بقرب؟ أليس ذنبًا أن يضيعَ العمرُ ونحنُ نبحثُ عن أنفسنا، مع وجودنا بالفعل؟ هل يغفرُ اللهُ لقلبٍ يتنفسُ وجعًا، وراحتُهُ بين يدي من يحبسُه؟ هل يُرغمُ قلبٌ على الالتحامِ بمن ألفَ بعدَ أن فقدَ من كانَ قبله؟

تأقلمتُ بعدَ العناد، لكن بعدَ ماذا؟ وماذا حدثَ بي حتى نسيتُ ما كان، وقبلتُ ما صار؟ بعدَ أن زهقتِ الروحُ مني، وأصبحَ بداخلي خراب، وبعدَ أن شاخَ قلبي، ولم يبقَ منهُ إلا الطلل. بعدَ أن أعطتْ كلَّ خيرها، ولم يبقَ منها نبضٌ ولا دقات. نعم، تأقلمتُ بعدَ العناد، لكن بعدَ ماذا؟ بعدَ أن كُسرتُ وبُلتُ، وضاعتْ كلُّ معالمِ الحياةِ فيَّ. بعدَ ما باتتْ كما أصبحتْ، وكما ظلّتْ، وكما كانت. نعم، استسلمتُ لواقعٍ مريرٍ يُحاصرُها، وبدموعٍ لا تُحصى تخدشُ عينيها، ووجعٍ كبيرٍ يذبحُها. نعم، تأقلمتُ بعدَ العناد. كرهتُ نفسي، وكلَّ وقتٍ بقيْتُ فيهِ هنا. بعدَ ما تساوى الوجودُ والعدمُ عندها. بعدَ ما تساوى الخوفُ والأمنُ، والخنقُ بالكلماتِ والصمتِ والبوح. نعم، بقيتُ أمامَ العينِ، وهي في حقيقةِ الأمرِ ماتتْ منذُ دهر.

لم أعدْ دميتَك بعد. ظننتُ حينَ رحيلك أنَّ الحياةَ ماتتْ من بعدك، وخرستْ حرفي، وصوتي ضلَّ في فضاءِ بعدك. يا من اتخذتَ قلبي لكَ مُسليًّا، فصوتي الصادقُ لم يصمُتْ قط، وحرفي الوافي لن يسقطَ بد. شتانَ بيني وبينك، يا من كذبَ نجمُك، وفضحَ أمرُك، وسدلَ الستارَ على تلكَ الحكايةِ التي تبدأُ كلَّ يومٍ دونَ نهاية. لم أعدْ تلكَ الدموعَ الساهرةَ تناجي طيفَك كي يسمعَ أنينَ توسلي لغدرك. لم أعدْ أنا، ذاك الشخصُ الصحيحُ في ذاتِك الخاطئة. ظهرَ الجرحُ الذي لهُ أن يأنَّ بعدَ أن كانَ متعفنًا قبل. نهضتْ هذهِ الدميةُ من غبارِ هذا القبرِ الذي نثرَه القمر. لن أعدْ دميتَك بعد. وهنا تنتهي الحكاية، ويبدأُ أمرٌ جديد.