عذراً أيتها الخنساء

تنفس الفجر في وجه الأب، فارتسمت عليه خطوط الجهد، تلك الخيوط التي نسجت مستقبل أبنائه. تحملت الأم أعباء لم تعرفها الجبال، دفء حضنها يغمر، ودعواتها تسبق الآذان. في رحاب الأبوين، تتجلى أسمى معاني العطاء؛ فمن أجل وجه الأب الذي غادر ضاحكاً، ومن أجل صدر الأم الذي حوى وجع الليالي، ترتفع الكلمات كصلوات، لتجزيء رحلتهما الصعبة. هذه ليست مجرد قصائد، بل هي نبض أرواح عشقت الحياة، رأت في الأب عماد الأرض، وفي الأم ينبوع الحنان الذي لا ينضب. إنها رحلة استكشاف للجوهر الإنساني، حيث تتكشف خيوط الوفاء والتضحية، متجسدة في لغة الشعر تنساب كقطرات الندى على أوراق الورد، تروي حكايات الأجداد، وتلهم الأجيال. عذراً أيتها الخنساء
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhN7yFCFoa18o3rkYSlVCCvdqtUMehMZovgEj30jet-J15q7mebofJHnmeW2Jg5zNhacbykCONPvYaJTfLohy5wXYYrgTcx6IoR_iaQH6D8d13blNMGmBe9y5EQh70spN5gpkBxDVTUvC1uRHy-9DB4MCNhdPdK6dsb1CLldULjvSfg-rBaCH6MNj-Q6VM/s720/294.jpg

تنفس الفجر في وجه الأب، فارتسمت عليه خطوط الجهد، تلك الخيوط التي نسجت مستقبل أبنائه. تحملت الأم أعباء لم تعرفها الجبال، دفء حضنها يغمر، ودعواتها تسبق الآذان. في رحاب الأبوين، تتجلى أسمى معاني العطاء؛ فمن أجل وجه الأب الذي غادر ضاحكاً، ومن أجل صدر الأم الذي حوى وجع الليالي، ترتفع الكلمات كصلوات، لتجزيء رحلتهما الصعبة. هذه ليست مجرد قصائد، بل هي نبض أرواح عشقت الحياة، رأت في الأب عماد الأرض، وفي الأم ينبوع الحنان الذي لا ينضب. إنها رحلة استكشاف للجوهر الإنساني، حيث تتكشف خيوط الوفاء والتضحية، متجسدة في لغة الشعر تنساب كقطرات الندى على أوراق الورد، تروي حكايات الأجداد، وتلهم الأجيال.

عذراً أيتها الخنساء شعر 294 120 أكتوبر 2019 yes 201091985809 لمى محمد العبود كاتبة سورية

يُشرق ديوان "عذرًا أيتها الخنساء" لمحمد العبود، كإضاءة شعرية تستحضر أرواحًا عظيمة، متجاوزةً عبث الكلمات ورتابتها. لا يبدأ الشاعر بتمهيدٍ تقليدي، بل يلج مباشرة إلى قلب المعنى، كمن يفتح صندوقًا قديمًا ليكشف عن كنوزه. الأب، ذلك الجبل الأشم، يستقبل الريح العاتية، ويحتضن الشموس ليحمي فلذة كبده. صدره حمل وجع الليالي، ووجهه الذي غادره ضاحكًا، بقي محفورًا في ذاكرة الابن. بكد اليمين، أينعت حقول الرزق، وفضل الله صار درعًا يحمي من لدغ الزمان. الأب الذي كابد الألم مخفيًا، ورُزق بالذرية، لم يفت في عضد الأبناء، بل سار بهم بدعوةٍ عبر السنين، وفاءً لحقٍ ودين.

ثم تنتقل الروح إلى الأم، تلك الشمس التي لا تخبو، والدفء العميق في حضنها. وجهها ما زال صبحًا، وثوبها يشع أمنًا. دعواتها تعبر الأسماع، وحرف السين فيها فرح. جبال الصبر تنوء بها، وتحمل آلام الأبناء بصمت الليل. غفوة طفلة ضلّت رؤاها، أو مخاضٌ داهمها، لا يثنيها عن حمل ما في جوفها، فسحائب السماء تدرّ عليها حليبًا لسقي بكاء طفلها. إنها الأم، حصنٌ تتجسد فيه روح العطاء.

لكن القصائد لا تتوقف عند حدود الدفء العائلي، بل تقتحم وعورة السلوك البشري، محذرةً من فتنة المنافقين الذين يلبسون رداء الدين للتسلل إلى المجالس. شرهم يتزايد، وزيفهم يغري الأغمار. عيونهم تدور بالبغض، وتخفي خبثًا ظاهرًا في أقوالهم. يرفعون لواء الشر، ويتبعهم رعاع الناس. كحد السيف، أو أشد، يطعنون الأعراض، وينسفون كل بناء. يخسر من يمد لهم كفًا، وتُزال جبالهم البيضاء. حين تُطفأ شمس النهار، يتجلى نفاقهم، فيقذفون بالتشهير، ويسفّون من عرض العرض. ليت القلب يفيق من هذا الهذيان، فالشهوات والأهواء هنا، تداعب المهزوز لهفًا، وتُلفى كألفٍ وألف.

الشاعر يذوب حزنًا على من يموتون بقلبٍ ميت، وهم يسعون للشيطان في ملتذاته، ناسين أن الله يدعو للعفو. لكن القسوة تكون أكبر حين ينتهى الأمر بالعقاب، والبائس المغبون لا يجد مفرًا. دمع العين بديلٌ عن جفاف القلب، والحق عند إلهٍ لا يُنفى. أما من اهتز قلبه للقرآن، وأدى أمانته، فله أن يذرف الدمع شوقًا.

وفي دروب الحياة، تلمع نساءٌ كنّ البيارق، كنّ درةً في عقدٍ متقن، كنّ سنةَ الرسول ونهجه. هؤلاء هنّ من طلبن رضا الإله فأبشرن. أما من بذلت جمالها الفاني لدنيا زائلة، فقد أرخصت مهرها ببنت التبرج. العفيفة في خدورها، لها مهرها في الأرض، والرحيم يرعاها بعينه. الحياء حللها، والعفاف رداؤها، فاستحقت أن تُتوّج بزهرة الإسلام في جنان الخلد.

ثم يعود الشاعر إلى مناجاة ربه، سائلًا الصفاء، راغبًا في التقريب. لقد شقي بظلم نفسه، وسئم البعد عن أعتاب فضله. العز في انحناء الروح، والشؤم في لجم صوت الدعاء. فليعد إلى الله، وليكن العطاء وفيرًا. فالفجر ينزل من السماء، والرب ينادي بالجود. ليبكِ القلب، ولتسجد الجباه، رجاءً في أن يُجلَى الشقاء. وليكن العفو كريمًا، ليغفر كل ذنب، ويُلبس النفس ثوب العافية. فالحب الحقيقي لا يكون إلا لله، رب الكون الذي يحب من يحبه.