سرابيل الخوف

كان قلبها مختوماً بالحرمان، موشومة بخيبة ضاق منها الصدر. تحت وطأة الانكسار، صارت هشيماً في مفازات الوحدة، لا تحمل شيئاً سوى ذاكرة ممرغة بالنكسات، وأحلام مزقتها مخالب الغدر. اهترأت أطر الثقة من وطأة الخذلان، فباتت خاوية، لا يستر عري مشاعرها سوى سرابيل الخوف. أما هو، فقد رُجم بلعنة الرفض، يعيش على هامش الانتظار، يروض شوقه الجامح. جسد شاحب يقتات على بقايا أنفاس جافة، وروح استهلكها اليأس حتى الضمور، ومالمح سكون مهترئة، يستر بها لفهته من سرابيل الخوف. كانت رحاب تفقد نضال محمود حسني زوجاً لها، فكان ردها شظية حادة مزقت كرامته. قصف صوتها الهادئ زلزل أركان القاعة، تركت خلفها ابتسامة شماتة متراخية. "لا"، قالتها ببرود، فخيم صمت ثقيل، وعُلقت الأنفاس في نفق ذهول. سرابيل الخوف
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj42tHP_wMIDUkv0aRKkjowzhFmCP8j-ck-ZcFv8lzAaRVgxRm1aKTdOzkE6VMmda1Fq96R91e-l10BLYrDsbQwRjuzKVomBG3Bvjou690zBzV7HNrSQ95mRodHCnHFQK6mvNrJK5C49_Nxa7u10zhlzsnfArA3j-C_VvHQ13N4IHsGSpknCPZbLSbU8IE/s320/460.jpg

كان قلبها مختوماً بالحرمان، موشومة بخيبة ضاق منها الصدر. تحت وطأة الانكسار، صارت هشيماً في مفازات الوحدة، لا تحمل شيئاً سوى ذاكرة ممرغة بالنكسات، وأحلام مزقتها مخالب الغدر. اهترأت أطر الثقة من وطأة الخذلان، فباتت خاوية، لا يستر عري مشاعرها سوى سرابيل الخوف. أما هو، فقد رُجم بلعنة الرفض، يعيش على هامش الانتظار، يروض شوقه الجامح. جسد شاحب يقتات على بقايا أنفاس جافة، وروح استهلكها اليأس حتى الضمور، ومالمح سكون مهترئة، يستر بها لفهته من سرابيل الخوف. كانت رحاب تفقد نضال محمود حسني زوجاً لها، فكان ردها شظية حادة مزقت كرامته. قصف صوتها الهادئ زلزل أركان القاعة، تركت خلفها ابتسامة شماتة متراخية. "لا"، قالتها ببرود، فخيم صمت ثقيل، وعُلقت الأنفاس في نفق ذهول.

سرابيل الخوف رواية 460 144 أغسطس 2020 yes 201091985809 كاميليا سيف النصر كاتبة تونسية

قلبٌ مختومٌ بالحرمان، موشومٌ بخيبةٍ تضيقُ منها الصدور. هكذا تبدأ رحلة "سرابيل الخوف"، حيث تسحقُ الانكساراتُ الروحَ وتذروها رياحُ الوحدة والضياع. لا تحملُ البطلةُ في جعبتها سوى ذاكرةٍ ممرغةٍ بالنكسات، وأحلامٍ ناحلةٍ مزقتها مخالبُ الغدر، وثقةٍ اهترأت أطرها من وطأة الخذلان. هي فراغٌ تتسترُ مشاعرها العارية بسَرابيل الخوف. على الضفة الأخرى، يقبعُ رجلٌ مرجومٌ بلعنة الرفض، منبوذٌ على بعدِ وجعٍ وألم، يعيشُ على هامشِ الانتظار، يروضُ شوقه الجامح. لا شيء يعمرُ خواءه الداخلي سوى جسدٍ شاحبٍ يقتاتُ على بقايا أنفاسٍ جافة، وروحٍ استهلكها اليأسُ حد الضمور.

تتجسدُ هذه المعاناةُ في مشهدٍ دراميٍّ يمزقُ القلوب. في قاعةٍ واسعةٍ، تُسألُ الآنسةُ رحاب نبيل الخالدي إن كانت تقبلُ بالمُدعى نضال محمود حسني زوجاً لها. تتلفعُ نظراتها بطبقاتٍ من الحقد، ويردُّ صوتها الهادئ، لكنه حادٌّ كالشظية، رافضاً. تتناثرُ أشلاءُ كرامته، وتهتزُ أركانُ القاعة، بينما تجلسُ هي بثباتٍ مستفزٍ، وابتسامةُ شماتةٍ ترتسمُ على شفتيها. يترددُ صمتٌ ثقيلٌ، ثم تعلو الهمهماتُ الخافتة، وتتطاولُ النظراتُ بفضولٍ ممزوجٍ بالاستنكار. يبتلعُ هو ريقهُ بصعوبة، ويشتدُّ التوترُ في جسده المشدود، بينما تتسعُ عيناهُ في ذهولٍ وجزعٍ أمام عنفوان نظراتها النارية.

تتوالى الأحداثُ لتكشفَ عن عمقِ الصراعاتِ الداخلية. في حوارٍ بين صديقتين، تبدو رحاب شاردةً، تشغلها أفكارٌ لا تفصحُ عنها. تحاولُ صديقتها أريجُ معرفةَ ما يشغلُ بالها، متهمةً إياها بإخفاءِ الأسرار. تنفي رحاب ذلك، مؤكدةً أنها تحتاجُ فقط لوقتٍ لتنظيمِ أفكارها بعيداً عن ضغوطِ الآخرين. لكن عزلتها لم توصلها لشيء، فتقررُ الاستخارة وترك الأمرِ لربها، فقد تعبَ عقلها من التفكير. تحتضنُ أريجُ كفها بحبٍّ، وتتمنى لها التوفيقَ مهما كان قرارها، مانحةً إياها ابتسامةَ دعمٍ واسعة.

تتوالى الأيامُ مشحونةً بالانتظار، وترتطمُ المشاعرُ ببقاعِ الخيبة. تدركُ رحاب أن صديقتها لم تأتِ، بعد اتصالها الباردِ صباحاً. تحاولُ أريجُ ترميمَ الصدعِ الذي حدثَ بينهما، مبررةً غيابَ الصديقةِ بانشغالها. تتذمرُ رحاب بطفوليةٍ، تعبرُ عن اشتياقها للحمقاءِ المستفزة، وعن رغبتها في الاعتذار. تندمُ على جدالها الأخير معها، وتشعرُ بالذنبِ نحوه. تطمئنها أريجُ بأن رحاب لا تحملُ قلباً حاقداً، ولن تغضبَ منها، فهي رفيقةُ الطفولة.

يتكشفُ فصلٌ آخرُ من الحزنِ والخيبة. تغادرُ رحابُ المكانِ تاركةً إياه واقفاً كتمثالٍ حجريٍّ صامت، يلوكُ حسرتهُ بين فكّي العجزِ والخوف، وقد ناحَ اليأسُ على رجعِ آثارها. في مساءِ اليومِ التالي، تصلُ رحابٌ إلى بنايةٍ تسكنها، لتجدَ نضالَ ينتظرها. يبدو عليهِ الإرهاقُ واليأس، يهمسُ برجاءٍ: "حسن يا رحاب". ترفضُ هي أن تُنادى باسمها الأول، وتطلبُ منهُ وضعَ ذلك جانباً. يضعُ نضالٌ كفها جانباً ببعضِ الجفاء، قائلاً إنه لا يحبُّ وضعَ الألقابِ بينه وبين الأشخاصِ الذين يهمّونه. تتكسرُ كلماته على صخورِ بروده، ويكشفُ عن ضيقه.

تتعلقُ الأنفاسُ في ذهولها، ويختلجُ شعورٌ بالغرورِ في دمائها. دغدغتْ بساطةُ كلماته أنوثتها العابسة. تسألهُ بنبرةٍ متخاذلةٍ: "ما الذي تحاولُ فعله؟". يلينُ نضالٌ، ويربتُ على ملامحها بنظراته الحانية، متسائلاً بعتبٍ: "متى ستتوقفين عن لعبِ دورِ المرأةِ الخارقة؟". تجيبُ بتصميمٍ: "ربما... حين تتوقفُ أنت عن لعبِ دورِ الرجلِ الذي يعرفُ كل شيء". هكذا، تتشابكُ الأقدارُ في دراما إنسانيةٍ عميقة، حيث تتجلى صراعاتُ النفسِ البشرية، وتتشابكُ خيوطُ الحبِ والخيانة، والأملِ واليأس، في نسيجٍ روائيٍّ يلامسُ أوتارَ القلب.