لآخر لحظة

في قصر عتيق يعود تاريخ بنائه إلى عصر الاحتلال الإنجليزي، تتوارث الأجيال أسراراً لا تبوح بها الجدران، وتتشابك حكايات الحب والخيانة والوطن في نسيج درامي لا يهدأ. "لآخر لحظة" تبدأ بحلمٍ متكرر لشابٍ يراهن على تفسير كوابيسه، ليكتشف أن ما يراه ليس مجرد خيال، بل نوافذ على ماضٍ مضى، حيث كان جده الحقيقي يقاوم الاحتلال، ويعذب ويصلب، ويحافظ على أسرار المقاومة حتى آخر رمق. بين مذكرات الجدة التي تحمل حقائق مريرة، وأجندة الجد التي تكشف النقيض، وصراعات الحفاد على الميراث، تتحول الرواية إلى ملحمة عائلية تمتد لعقود، تتقاطع فيها المصائر بين جيل الثوار وجيل الطامعين، لتطرح سؤالاً يظل معلقاً: هل يمكن للحب أن يصمد أمام جبروت الماضي، أم أن الموت هو التحرر الوحيد من عذاب الذاكرة؟ لآخر لحظة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhUYTzrs1YpRfISlbG2Hd2Nns3JSKM7gwfZUWz6ce8XEZYo4KeUaMQErq5GXk0qyKQy0z1uJFxJxTcIHy4SBu34X-58N9opwXCAGqOAMSIWFg0xGvKt3aowjKNmuD_h9OVuOSfHPGsYpJcS7mNJ1dG0t1FTaYZoFjPK4FYsf2NzorMF_mPVMvAHGZHd3PE/s320/655.jpg

في قصر عتيق يعود تاريخ بنائه إلى عصر الاحتلال الإنجليزي، تتوارث الأجيال أسراراً لا تبوح بها الجدران، وتتشابك حكايات الحب والخيانة والوطن في نسيج درامي لا يهدأ. "لآخر لحظة" تبدأ بحلمٍ متكرر لشابٍ يراهن على تفسير كوابيسه، ليكتشف أن ما يراه ليس مجرد خيال، بل نوافذ على ماضٍ مضى، حيث كان جده الحقيقي يقاوم الاحتلال، ويعذب ويصلب، ويحافظ على أسرار المقاومة حتى آخر رمق. بين مذكرات الجدة التي تحمل حقائق مريرة، وأجندة الجد التي تكشف النقيض، وصراعات الحفاد على الميراث، تتحول الرواية إلى ملحمة عائلية تمتد لعقود، تتقاطع فيها المصائر بين جيل الثوار وجيل الطامعين، لتطرح سؤالاً يظل معلقاً: هل يمكن للحب أن يصمد أمام جبروت الماضي، أم أن الموت هو التحرر الوحيد من عذاب الذاكرة؟

لآخر لحظة رواية 655 92 يناير 2022 yes 201091985809 أحمد سليمان كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhvneVoB-svTxUY60iqR7Sg83KmmgZsn0QRbojbcJgskvTuQ-UJUNssB8It_eCyKFtKwAePDe6zmB3tU4yY8tWXcieaWkWFq-J6AhnveAQIjHN1wZByd2twMKzjTfaZVLUGgfAG7OoMe1qODyE2wfDjLfQXJgaswOzF1FQBxWp9luW6BjpEDoy9rozlHi0/s295/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86.jpg

تبدأ الرواية بمشهد صادم للحلم الذي يطارد عادل، الشاب الذي يعيش في قصر جده الثري حامد باشا أبو اليزيد، حيث يرى رجلاً مصلوباً يُعذب بوحشية على يد جنود إنجليز، جسده ممزق بالسياط والدماء، لكنه صامد كالجبال، لا ينكسر ولا يستسلم. ومع تكرار الرؤيا، تزداد حيرة عادل، خاصة بعد أن أوصته جدته سناء بأن يخبرها بكل حلم يراه عن هذا الرجل، لكنها ترحل قبل أن تكشف له هويته، تاركة له مظروفاً غامضاً. عند فتحه، يجد عادل مذكرات جدته، التي تكشف له أن اسمها الحقيقي ليس سناء بل صفاء، وأن الرجل الذي يراه في أحلامه هو جده الحقيقي، عادل، حبيبها الأول الذي قتل في مقاومة الاحتلال الإنجليزي، بينما حامد، الجد الذي يعرفه، ليس سوى زوجها الثاني، والذي كان شريكاً لعادل في المقاومة، لكن شكوكها حول خيانته قد دمرت علاقتها به طوال خمسين عاماً. هذا الكشف يقلب حياة عادل رأساً على عقب، ويدفعه لمواجهة جده حامد، واتهامه بالخيانة.

غير أن السرد لا يتوقف هنا، بل ينتقل إلى الجزء الأكثر إثارة، وهو قراءة مذكرات حامد نفسه، التي تروي حكايته من زاويته، لتكشف عن صورة مغايرة تماماً. حامد، الذي كان ابن باشا متعاون مع الإنجليز، انضم للمقاومة بدافع حب الوطن، وأصبح شقيقاً لعادل، وساعده في نقل المنشورات والسلاح. لكن في يوم زفاف عادل على صفاء، قام والد حامد بإبلاغ الإنجليز عن مكان المقاومة، مما أدى إلى مذبحة راح ضحيتها جميع أصدقاء عادل، وأصيب عادل نفسه بالشلل والعمى بعد تعذيب وحشي، لكن حامد أنقذه وأخفاه عن الجميع، ووافق على الزواج من صفاء تنفيذاً لوصية عادل لحمايتها، ووعد بأن يظل كاتماً للسر حتى آخر لحظة. هذه المفارقة الدرامية، حيث تتقاطع روايتان متضاربتان من وجهتي نظر مختلفتين، تشكل لب الرواية وتجعل القارئ يتساءل عن طبيعة الحقيقة، وعن كيف يمكن للحب والخيانة أن يلتقيا في قلب واحد.

يتعمق النص بعد ذلك في رحلة عادل الحفيد لاكتشاف هويته وجذوره، حيث يقرأ تفاصيل حياة جده عادل، الذي أصبح مشلولاً وأعمى لكنه ظل صامداً شامخاً، وكان يحلم بتحرير وطنه، وتفاصيل حياة صفاء التي عاشت في قفص من الكتمان والحزن، وحامد الذي تحمل عذاب الحب الصامت والتضحية، وتدريباته على أن يكون أبا لمصطفى ابن عادل، وأن يحافظ على سره. على الجانب الآخر، يتابع القارئ صراع الأحفاد الحاليين: عادل الشاب الباحث عن الحقيقة، وهناء الشقيقة المحايدة، وهيثم الطماع وزوجته ناهد التي تمثل الشر الخالص، والذين يخططون للاستيلاء على ثروة حامد. تتصاعد الأحداث لتصل إلى ذروتها المأساوية عندما تحاول ناهد قتل عادل الحفيد، لكن حامد يتلقى الرصاصة بدلاً عنه، ليموت بين أحضان أحفاده، تاركاً لهم وصيته بأن يدفنوه بجوار من أحبهم في الإسكندرية، لينتهي بذلك كابوس عمره الذي بدأ بانفجار ذلك اليوم الدامي.

تتميز الرواية بأسلوبها السردي المتقن، الذي ينتقل بين الأزمنة بسلاسة، ويستخدم تقنية تعدد الرواة (المذكرات والأحلام والأجندات) لخلق عمق درامي وجذب القارئ للبحث عن الحقيقة مع البطل. الحوارات مكثفة ومشحونة، والوصف شديد التصوير، خاصة في مشاهد التعذيب والموت، مما يمنح الرواية قوة تأثرية لا تُنسى. وفي النهاية، تظل "لآخر لحظة" رواية عن التضحية والحب الصامد، وعن كيف أن الكتمان قد يكون أقسى من الخيانة، وكيف أن الحقيقة، حتى لو تأخرت، قادرة على لم شمل القلوب المتفرقة، وتذكيرنا بأن "الموت" ليس النهاية، بل قد يكون البداية الحقيقية للتحرر من أغلال الماضي.