نعم أحبه.. ولكن

وقفتُ أمام شاشة الحاسوب، تتراقص الأحرف على الشاشة كأنها شياطين صغيرة تستفز هدوئي. تسعة وعشرون عامًا، تخرجتُ من كلية الآداب، تخصص علم نفس، وأعمل محررًا لباب "حديث القلوب" في إحدى الصحف. مهمتي كانت تكمن في تقديم النصح، إيجاد الحلول لمشاكل القراء اليومية، لكن اليوم، تقف أمامي مشكلة شخصية، لا أجد لها إجابة. سألتني قارئة في خطاب، سؤال بسيط، لكنه أغرقني في بحر من الحيرة: "من منكم تقبل بأن تكون زوجة ثانية؟" سألتني، وأنا، محررة المشاكل، أقف الآن عاجزة، لا أملك إجابة. فهل أبحث عن حل عند الآخرين، وهم على ورق؟ هل أستجمع شجاعتي لأواجه هذا السؤال الذي يهاجمني، ويدفعني للبحث عن أعذار، ربما، ألتمس بها بعض السلوان؟ نعم أحبه.. ولكن
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj1-cWYX_949wgVz5JwSdFBpezt5kJJLOq1Av4dgI098U5tZKDi5Apg8BpjyzV8cRvjZM8VjFb9hB6EIsj3fJkJ3YBz-CIYkPH4H_uU7yQvHeVKyAnAAbCf7qvAtDIDOryysTYkGDi4qLfp1WW1_uszZv2jQDf6sC_AnJgxagHtM-kXnB3pYY3Pzto6P_Q/s320/364.jpg

وقفتُ أمام شاشة الحاسوب، تتراقص الأحرف على الشاشة كأنها شياطين صغيرة تستفز هدوئي. تسعة وعشرون عامًا، تخرجتُ من كلية الآداب، تخصص علم نفس، وأعمل محررًا لباب "حديث القلوب" في إحدى الصحف. مهمتي كانت تكمن في تقديم النصح، إيجاد الحلول لمشاكل القراء اليومية، لكن اليوم، تقف أمامي مشكلة شخصية، لا أجد لها إجابة. سألتني قارئة في خطاب، سؤال بسيط، لكنه أغرقني في بحر من الحيرة: "من منكم تقبل بأن تكون زوجة ثانية؟" سألتني، وأنا، محررة المشاكل، أقف الآن عاجزة، لا أملك إجابة. فهل أبحث عن حل عند الآخرين، وهم على ورق؟ هل أستجمع شجاعتي لأواجه هذا السؤال الذي يهاجمني، ويدفعني للبحث عن أعذار، ربما، ألتمس بها بعض السلوان؟

نعم أحبه.. ولكن رواية 364 600 ديسمبر 2019 yes 201091985809 رشا الشناوي كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhDvIOtfQ3DbLof0w4cxg2pRTuIJTjDAKiqlCLwXvT85IF3LpvdNK3MNK2C3EFQR_olxF6334XEmlzLPcN6j4RhD-GKNvY0eQHAufHYdITgAKeiXEu-nMrZY7o8IdvhlEC92wq3eiLv3gmm8UI-R9E7GClHFR3oemWBB7T0RQJJdzlmtTdbOC0F3gDeQwE/s800/%D8%B1%D8%B4%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%86%D8%A7%D9%88%D9%8A.jpg

تبدأ سما حكايتها من مقعد الاعتراف، ليس في معبد أو كنيسة، بل من خلف مكتبها في زاوية "حديث القلوب" بإحدى الجرائد، حيث تمتهن ترميم أرواح الآخرين بينما يتصدع جدار قلبها بفعل سؤال واحد ينهش يقينها. هي المتخصصة في علم النفس، التي تدرك تماماً كيف تُحلل دوافع البشر وتصنف خيباتهم، تجد نفسها عالقة أمام معضلة أخلاقية وعاطفية تتجاوز كل النظريات التي درستها. تطرح سؤالها على الورق كما لو كانت تلقي بزجاجة في عرض البحر، باحثة عن طوق نجاة بين سطور القارئات: هل من الممكن أن تقبل امرأة مثقفة وواعية بأن تكون الزوجة الثانية؟ هذا السؤال ليس مجرد استفتاء عابر، بل هو صرخة مكتومة لامرأة وجدت نفسها فجأة على هامش حياة الرجل الذي تحب، أو ربما هي التي تخشى أن تكون الضلة التي تسرق وهج شمس امرأة أخرى.

تستدعي الذاكرة أيام الجامعة في الإسكندرية، حيث كان الشتاء قاسياً والمطر يغسل الأرصفة ببرود لا يرحم، تماماً كما غسلت الأيام براءتها الأولى. هناك، وسط المحاضرات والكتب، كانت هدى تحذرها من مكر الزميلات اللواتي يتلحفن بعباءة المسكنة، لكن سما، بقلبها الذي يشبه بياض الغمام، كانت تأبى أن ترى القبح الكامن في النفوس. تظهر في الصورة شخصية أدهم، الخاطب الذي كان يمثل الملاذ والملجأ، لكن القدر يحيك خيوطه في الخفاء. رحلة واحدة إلى الغردقة كانت كافية لتهدم ما بنته سنوات من الوعود، حيث تتدخل امرأة أخرى لتبعثر أوراق اللعبة، مستخدمة أسلحة الاهتمام والمشاقرة التي يضعف أمامها الرجال حين يملون السكينة. يجد أدهم نفسه منساقاً خلف نداء جديد، متناسياً الوفاء القديم، ليدخل في صراع مع والدته التي ترى في هذا التحول خيانة للأصل والتربية، محذرة إياه من أن البيوت التي تُبنى على أنقاض بيوت أخرى لا تعرف الاستقرار.

يذكرنا هذا التيه العاطفي بما قاله يوماً فيودور دوستويفسكي حين أكد أن "كل شيء في الإنسان يؤول إلى العادة"، لكن سما ترفض أن تكون خيبتها مجرد عادة أو رقماً في سجل النساء المهجورات. الرواية تنسج خيوطها بين الواجب العاطفي والكرامة الإنسانية، وتضعنا أمام مرآة كاشفة لضعف النفس البشرية حين تتأرجح بين شغف البدايات وبرود النهايات. أدهم ليس مجرد رجل خائن في هذا السياق، بل هو نموذج للإنسان الذي يضيع بوصلته في أول منعطف للإغراء، تاركاً خلفه قلباً كان يظن أن الحب حصانة ضد الغدر. سما، التي كانت توزع النصائح على الغرباء كأنها "ترياق" سحري، تكتشف أن الوجع الشخصي لا يداويه علم النفس، وأن التجربة حين تقع على كاهل المرء تصبح أثقل من أن تُختزل في كلمات أو حلول تقليدية.

تتصاعد الدراما حين تتحول الصداقة إلى عداوة صامتة، والرفقة إلى استغلال، حيث تبرز الشخصية "المتسلقة" التي لم تجد حرجاً في سرقة حياة صديقتها. هذا التداخل بين الخيانة العاطفية والغدر المهني والاجتماعي يجعل من نص رشا الشناوي وثيقة إنسانية عن هشاشة الروابط في زمن المادة والسرعة. الأم في القصة تبرز كضمير حي، ترفض الانصياع لرغبات ابنها الجامحة، وتضع حداً فاصلاً بين "البيت" كقيمة معنوية وبين "النزوة" كحالة عابرة، مهددة إياه بالقطيعة إن لم يحترم العهود القديمة. هو صراع الأجيال وصراع المبادئ في آن واحد، حيث يختبر كل طرف قدرته على الصمود أمام رغباته الخاصة.